2/1/11

السيرة الذاتية لسياف عربي - نزار قباني

السيرة الذاتية لسياف عربي


نزار قباني



أيها الناس

لقد أصبحت سلطانا عليكم

فاكسروا أصنامكم بعد ضلال واعبدونى ،

إننى لا أتجلى دائما

فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصرونى

اتركوا أطفالكم من غير خبز

واتركوا نسوانكم من غير بعل واتبعونى

إحمدوا الله على نعمته

فلقد أرسلنى كى أكتب التاريخ،

والتاريخ لا يكتب دونى

إننى يوسف فى الحسن

ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعرى

وجبينا نبويا كجبينى

وعيونى غابة من شجر اللوز و الزيتون

فصلوا دائما كى يحفظ الله عيونى

أيها الناس

أنا مجنون ليلى

فابعثوا زوجاتكم يحملن منى

وابعثوا أزواجكم كى يشكرونى

شرف أن تأكلوا حنطة جسمى

شرف أن تقطفوا لوزى وتينى

شرف أن تشبهونى

فأنا حادثة ما حدثت

منذ آلاف القرون

****

أيها الناس

أنا الأول والأعدل،

والأجمل من بين جميع الحاكمين

وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين

وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين

كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهانى ضميرى

من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟

من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى

ومن يحيى عظام الميتين؟

من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟

من ترى يرسل للناس المطر؟

من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟

من ترى يصلبهم فوق الشجر؟

من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟

ويموتوا كالبقر؟

كلما فكرت أن أتركهم

فاضت دموعى كغمامة

وتوكلت علي لا الله .

وقررت أن أركب الشعب

من الآن الى يوم القيامه

*****

أيها الناس

أنا أملككم

كما أملك خيلى وعبيدى

وأنا أمشى عليكم مثلما أمشى على سجاد قصرى

فاسجدوا لى فى قيامى

واسجدوا لى فى قعودى

أولم أعثر عليكم ذات يوم

بين أوراق جدودى ؟؟

حاذروا أن تقرأوا أى كتاب

فأنا أقرأ عنكم

حاذروا أن تكتبوا أى خطاب

فأنا أكتب عنكم

حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر

فإنى بنواياكم عليم

حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذنى

فهذا عندنا إثم عظيم

والزموا الصمت، إذا كلمتكم

فكلامى هو قرآن كريم

****

أيها الناس

أنا مهديكم ، فانتظرونى

ودمى ينبض فى قلب الدوالى، فاشربونى

أوقفوا كل الأناشيد التى ينشدها الأطفال

فى حب الوطن

فأنا صرت الوطن.

إننى الواحد، والخالد من بين جميع الكائنات

وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناى،

وزرق الأغنيات

إرفعوا فوق الميادين تصاويرى

وغطونى بغيم الكلمات

واخطبوا لى أصغر الزوجات سناً

فأنا لست أشيخ

جسدى ليس يشيخ

وسجونى لا تشيخ

وجهاز القمع فى مملكتى ليس يشيخ

أيها الناس

أنا الحجاج إن أنزع قناعى تعرفونى

وأنا جنكيز خان جئتكم

بحرابى وكلابى وسجوني

لاتضيقوا - أيها الناس - ببطشى

فأنا أقتل كى لاتقتلونى

وأنا أشنق كى لا تشنقونى

وأنا أدفنكم فى ذلك القبر الجماعى

لكيلا تدفنونى

******

أيها الناس

اشتروا لى صحفا تكتب عنى

إنها معروضة مثل البغايا فى الشوارع

إشتروا لى ورقا أخضر مصقولاً كأعشاب الربيع

ومدادا ومطابع

كل شىء يشترى فى عصرنا حتى الأصابع

إشتروا فاكهة الفكر وخلوها أمامى

واطبخوا لى شاعرا،

واجعلوه، بين أطباق طعامى

أنا أمى وعندى عقدة مما يقول الشعراء

فاشتروا لى شعراء يتغنون بحسنى

واجعلونى نجم كل الأغلفة

فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل منى

فأنا، بالعملة الصعبة، أشرى ما أريد

أشترى ديوان بشار بن برد

وشفاه المتنبى، وأناشيد لبيد

فالملايين التى فى بيت مال المسلمين

هى ميراث قديم لأبى

فخذوا من ذهبى

واكتبوا فى أمهات الكتب

أن عصرى عصر هارون الرشيد.

****

يا جماهير بلادى

ياجماهير الشعوب العربية

إننى روح نقى جاء كى يغسلكم من غبار الجاهلية

سجلوا صوتى على أشرطة

إن صوتى أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية

صورونى باسما مثل الجوكندا

ووديعا مثل وجه المجدلية

صورونى.

وأنا أفترس الشعر بأسنانى

وأمتص دماء الأبجدية

صورونى

بوقارى وجلالى،

وعصاى العسكرية

صورونى

عندما أصطاد وعلا أو غزالا

صورونى

عندما أحملكم فوق أكتافى لدار الأبدية

يا جماهير الشعوب العربية.

****

أيها الناس

أنا المسؤول عن أحلامكم إذ تحلمون

وأنا المسؤول عن كل رغيف تأكلون

وعن الشعر الذى - من خلف ظهرى - تقرأون

فجهاز الأمن فى قصرى يوافينى

بأخبار العصافير وأخبار السنابل

ويوافينى بما يحدث فى بطن الحوامل

أيها الناس أنا سجانكم

وأنا مسجونكم فلتعذرونى

إننى المنفى فى داخل قصرى

لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى

منذ أن جئت الى السلطة طفلا

ورجال السيرك يلتفون حولى

واحد ينفخ ناياً

واحد يضرب طبلا

واحد يمسح جوخاً واحد يمسح نعلا

منذ أن جئت الى السلطة طفلا

لم يقل لى مستشار القصر كلا

لم يقل لى وزرائى أبدا لفظة كلا

لم يقل لى سفرائى أبدا فى الوجه كلا

لم تقل إحدى نسائى فى سرير الحب كلا

إنهم قد علمونى أن أرى نفسى إلها

وأرى الشعب من الشرفة رملا

فاعذرونى إن تحولت لهولاكو جديد

أنا لم أقتل لوجه القتل يوما

إنما أقتلكم كى أتسلى



قصيدة البتاع - ل أحمد فؤاد نجم

قصيدة البتاع



يا للي فتحت البتاع

فتحك على مقفول

لأن أصل البتاع

واصل على موصول

فأى شئ في البتاع

الناس تشوف على طول

والناس تموت في البتاع

فيبقي مين مسؤول ؟

وإزاي حتفتح بتاع

في وسط ناس بتقول

بأن هذا البتاع

جاب الخراب مشمول

لأنه حتة بتاع

جاهل غبي مخبول

أمر بفتح البتاع

لأنه كان مسطول !

وبعد فتح البتاع

جابوا الهواالمنقول

نكس عشوش البتاع

وهد كل أصول

وفات في غيط البتاع

قام سمم المحصول

وخلا لون البتاع

أصفرحزين مهزول

وساد قانون البتاع

ولا عله ولا معلول

فالقاضي بتع البتاع

فالحق ع المقتول

والجهل زاد في البتاع

ولا مقري

ولا منقول

والخوف سرح في البتاع

خلا الديابه تصول

ويبقي البتاع في البتاع

والناس صايبها ذهول

وأن حد قال دا البتاع

يقولوا له مش معقول

وناس تعيش بالبتاع

وناس تموت بالفول

وناس تنام ع البتاع

وناس تنام كشكول

آدي اللي جابه البتاع

جاب الخراب بالطول

لأنه حتة بتاع

مخلب لراس الغول

باع البتاع بالبتاع

وعشان يعيش على طول

عين حرس بالبتاع

وبرضه مات مقتول

1/29/11

Evaluation... تقييم

طبقت الأنظمة المهزوزة سياسات إقتصادية متشابهة: إنفتاح إقتصادي، بيئة صديقة للإستثمار ، خصخصة ، توصيات البنك الدولي ، إعتماد على السياحة ...... والنتيجة أيضا كانت متشابهة :


1- أرقام نمو إقتصادي مرتفعة أحيانا،

2- زيادة في مستويات الفقر وسوء توزيع الثروة والبطالة،

3- وإقتصادات معاقة غير منتجة وغير مبدعة قائمة على الإستهلاك والإرتهان

كإنك مفيش/ أحمد فؤاد نجم

كإنك مفيش/ أحمد فؤاد نجم

حلمت إني شعب..! حلمت إني شعب ومصلوب بطولي على أرض سمرا ودمي بينزف ومليان جروح وفوق صدري جمرة



أحمد فؤاد نجم


كإنك مفيش..

برغم إن صورك فـ كلّ الدواير

وكل المداخل وكل المحاور

ومَليا الشوارع على كلّ حيط..

مطنش علينا وعامل عبيط..

كأنك مفيش..

• • •

يا فرحة قلوبنا رئيسنا ظريف..

فُكهي..

إبن نكته ودمه خفيف

فـ عهدك سيادتك فَرَشنا الرصيف

وآخر مُنانا الغُموس والرغيف

وكل أمَّا تُخنُق ندوَّر..

مفيش!!

• • •

مسيِّب علينا عصابة حبايبك

فضايح وسرقة ونهب بسبايبك

ما بين حزب نجلك.. وهانم جلالتك

وجيش الغوازي إللَّي داير يجاملك

وناملك وقاملك.. وحارسك وأمنك

شبعنا مهانه.. شبعنا لطيش..!

وأنت.. مفيش!!

• • •

باعونا فـ حضورك..

ببركة عِبـيدك وغالي وسرورك

باعوا الأراضي.. وكل المصانع

وباعوا البنوك..

وقدَّام عِينك.. صوتنا إتـنبح..

ننادي عليك..

إلحق يا ريس: ده باعوا الحديد!

وأنت منشِّف دماغك عنيد!

.. كأنك مفيش!!

• • •

دوشتوا دماغنا ”بجمال” طلعتك

ومن يومها وإحنا عَبـيد حضرتك

ما تزعلش إني مواطن أبيح

ورافض كلابك فـ شعبك تطيح

فسادهم يا ريِّس واضح.. صريح

قوم بينا صلّح وفتَّش.. وثور

ح نكتب تاريخك ياريِّس بنور

مش تبقى عايش كأنـَّك مفيش!!

• • •

ورحمة أبوك.. ما دام أنت قاعد

عيب لمَّا عُصبة نَـوََر يسحبُوك

م تُقبض عليهم.. م تقطع إيديهم..

م تعمل عليهم يا ريِّس شاويش

بدل م انت ساكت وقاعد مفيش!!

• • •

يا ريس عليّ الطلاق تعبانين!

يا ريس عليّ الحرام كفرانين!

صبرنا سنين..

سيادتك مسلطن

وشعبك وناسك بتاكل مسرطن

وتشرب مجاري وميت سم هاري..

ومش دريانين!

ما تنهض يا ريس تلم الديابه؟!

ده شعبك غلابه..

ومليان طيابه..

وهوَّ الشفاعة ف يوم الحساب

وهما البطانة الحُثاله الكلاب

ما يملاش عنيهم غير التراب

وليهم ضوافر

وميت ألف ناب

وواقفين لشعبك ورا كل باب

لإمتى ح تسكت وليه الغياب؟

ده ياما ممالك طواها التراب

حياتنا يا ريس تعب فوق عذاب

يا ريس ”شريفك” ماهوَّاش شريف!

”نظيفك” يا ريس ماهوَّاش نظيف!

وحتى ”حبيبك” ماهواش حبـيب!

وأنا غصب عني.. خلاص استويت..

بـ غـُلبي إنحنيت..

وطلعان عنيا.. وصعبان عليا

بحسبة بسيطة ومن غير خريطه..

وكونك مفيش.. لقيت متساويش

ومش فارقه أعيش..

نويت أشتكيك للِّي فوقي وفوقك

وأصلي الفرايض..عسى يفـُك طُوقـك

قالولي إللي يسجد عدو النظام!

حاولت أحكي حالي..!

قالولي الحكاوي نميمة وحرام!

فكرت أكتب..

لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام!

فقررت أحلم..

هاحلم سيادتك وأفُك اللِّجام

ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم

وصِّي العساكر.. تاخُدني أمَّا انام!

• • •

حلمت إني شعب..!

حلمت إني شعب ومصلوب بطولي

على أرض سمرا

ودمي بينزف ومليان جروح

وفوق صدري جمرة

يميني مربّط على أرض طابا

شمالي ممسمر فـ “أولاد علي”

ورجلي على جزع نخلة فـ “حلايب”

ومرتاح براسي على حِجْر مصر

وشوفتك ياريس.. كأنك ولي..

كأنك نبي..

فـ إيدك عصاية وليك معجزات

وانا فـ جنَّه خضره.. وتحتي جداول..

ومن فوقي نور.. وريحة بخور..

همست ف ودانك بآخر وصيّة:

إنسى إللي فاتك..

هننسى الأسية..!

أمانه عليك..

حُط الوطن جُوَّه نِنِّي عينيك

كرامة عيالنا أمانة ف إيديك

بحق إللي بينّا يا ريِّس وبـينك

وحَق اليَمِين و”الكتاب” في يمينك

بحق الشهيد إللي رافع جبينك

وجيش إنتصارك في يوم العبور

وجيل حُر طالع.. وعدته بدور

لملم عيالك.. وجمَّع فـ مالك

واسحب ”جمالك” وسيبنا وغور

1/20/11

من كتابات الأجساد المحترقة

من كتابات الأجساد المحترقة

جان عزيز

لم يحدث أن مات جسد محترق كجسد محمد بوعزيزي، ولم يحدث أن خسر، ولم يحدث أن سكت. بائع الخضر التونسي المقهور كتب بلغة عربته البسيطة ورائحة الياسمين الملتصق طوقاً برجليه المتماهيتين مع عجلات رزقه. وكتب لأمّه تحديداً. لأنّ الجائع إلى نتاج أرضه والعائش منه، يدرك في أحشائه أن الأرض أمّ، والوطن أمّ، والأحشاء من ذكر الأمّ... فحين يكتب إليها، يستحضر كل ذلك، وتحضر في أحشائه المندلعة شعلة ترسم الطريق.

قبل محمد باثنين وأربعين عاماً، كان جسد يان بالاش يسقط مثل مذنّب في براغ. كأن التاريخ يهوى مصادفات الأيام: اشتعل قلب بالاش في ساحة فيشسلاس، شغفاً ببلاده، في 16 كانون الثاني 1969، لينطفئ لاحقاً في مستشفى جامعة سان شارل، في مثل يوم أمس بالذات، في 19 من الشهر نفسه.

الممرضة التي رافقت يان أيام نزعه الثلاثة، نقلت عنه أنه لم يحوّل نفسه شعلة احتجاجاً على الاحتلال السوفياتي لأرضه وحسب، بل الأهم رفضاً لحالة اليأس التي تسلّلت إلى قلوب مواطنيه وأجسادهم. فربيع براغ كان قد انتهى تحت سحل دبابات «الأخ الأكبر» في آب من العام المنصرم. لكن يان انتظر نحو خمسة أشهر. ظل يراهن على ثورة أهله وانتفاضة الأرض. نقلت الممرضة عنه أن ما أضرم النار فيه ليس الجنازير الغريبة، بل الوجوه الصامتة، والعيون الفارغة، والسحنات الواجمة... «تلك التي حين تنظر إليها «تفهم» أنّ كل واحد منهم قد «فهم»...

ولم ينطفئ جسد بالاش. ظلت الأجهزة البوليسية السوفياتية والتشيكية تلاحق جثمانه ورفاته طيلة أعوام. كأنه في موته قادر على إحياء كل دفين. وكأن المطلوب القبض عليه هامداً بعد العجز عن وقف حركته حيّاً. أخرجوا جثته من المدافن، بعد أربعة أعوام ونيّف على موته. وفي تشرين الأول 1973 أحرقوا الجثة، وسلّموا رمادها إلى والدته، وحظروا عليها عرض الكأس التي حفظت الرماد...

ولم يسكت جسد بالاش... في الذكرى العشرين لولادته نوراً، تحوّل ناراً في أرض براغ. فبين 15 كانون الثاني 1989 و21 منه، أعلنت الحركة الديموقراطية في تشيكوسلوفاكيا تنظيمها «أسبوع بالاش». وكما يقول جاك بريل، «يبدو أن هناك أرضاً محروقة تعطي من القمح أكثر من أفضل نيسان». وكان كانون تلك الأرض، وكان بالاش حرقها ووجعها، وحرقتها والجوع... حتى كتب التاريخ أن «أسبوع بالاش» كان البداية الإرهاصية لسقوط جدار برلين، بعد نحو عشرة أشهر... بعد عشرين عاماً كاملة، أزهر ربيع براغ، من مسام بالاش...

في أدب أوروبا الشرقية وفنّها وموسيقاها ومسرحها وكل تعبيراتها الجمالية، يحضر بالاش مثل «إيتوس» بطولي إلهامي، تُغنّى له الأناشيد، عن «الحياة في مكان آخر»، و«أداء من أجل الحرية»، وتكتب له قصائد «سأحترق ألف مرة، بعدها سأنتصر»...

بعد شهر ونيّف على ملحمة بالاش، بدت الطريق منوّرة لرفيقه يان زاجيتش. في 25 شباط 1969 أضاء يان الثاني جسده من أجل وطنه والناس. قبل أن يدخل دائرة النور، كتب لعائلته المؤلفة من والدين وأخ وأخت، الكلمات الآتية: «حين تقرأون هذه الرسالة، سأكون ميتاً أو قريباً من الموت. أُدرك الضربة القاسية التي سيسدّدها عملي إليكم. لكن لا تغضبوا مني. فللأسف لسنا وحدنا في هذا العالم. وأنا لا أقوم بذلك لأنني تعبت من الحياة، بل على العكس، لأنني أعشقها جداً. على أمل أن يجعلها موتي أفضل. فأنا أعرف ثمن الحياة، وأعرف أنها الأغلى، ولذلك أردت الأكثر لكم... فعليّ أن أدفع الكثير. لا تقبلوا بعدي أيّ ظلم، مهما كان شكله، هذا عهد موتي عليكم... سامحوني وأبلغوا سلامي إلى الأصدقاء والنهر والغابة...».

قبل يان الأول والثاني، لم يعرف أحد أنّ بولونيّاً اسمه ريتشارد سيفيتش أشعل نفسه أمام مئة ألف مشاهد في أحد الملاعب البولونية، في 8 أيلول 1968، من أجل ربيع براغ أيضاً. نجح نظام وارسو في التعتيم على الخبر، وإتلاف الصور، والاكتفاء بسطرين عن انتحار مختل عقلياً... بعد 25 عاماً على موته، دخل ريتشارد تاريخ بلاده عبر فيلم أرَّخ قصته ورحيله على طريق الضوء.

وبعد الثنائي «يان» مشى الدرب نفسه إيفان بلوتشيك في 4 نيسان 1969. قبل أن يتّقد أفلت من بين أصابعه وريقة صغيرة كتب عليها: «الحقيقة ثورية، هكذا كتب أنطونيو غرامشي، وأضاف: من أجل وجه بشري، لا أطيق هؤلاء الذين يقفون بلا أحاسيس»...

مسيرة أجساد الضوء هرباً من الظلم، أو قهراً للظلمة، توسّعت في ذلك الزمان، فعرفت أسماءً مثل روماس كالانتا في ليتوانيا في 15 أيار 1972، وأوليكسا هيرنيك في أوكرانيا في 21 كانون الثاني 1978، قبل أن تخطّ بقعة من ضوئها على سواد الأولمب، آتية من صوب إيطاليا. هناك، في جنوى، اتّقد كوستاس جيوغاكيس في 19 أيلول 1970 لينير لأبناء أرسطو درب الديموقراطية. وقف مثل الشعلة صارخاً: «لتحيَ اليونان حرّة»، «ليسقط الطغاة»، حتى انطفأ ولم يتوقّف الصوت.

في رسالة تركها لوالده، كتب كوستاس: «والدي العزيز، اغفر لي ما قمت به، بلا بكاء. فأنا لست بطلاً. أنا مجرد إنسان، مثل كل الناس، أكثر خوفاً ربما. قبِّل أرضنا عنّي. فبعد أعوام ثلاثة من العنف، لم أعد أتحمّل المعاناة... فأنا لا يمكنني أن أفكّر ولا أن أتصرّف، إلا كفرد حرّ... أرضنا التي شهدت ولادة الحرية ستذهب بالطغاة إلى العدم».

لم يحدث أن انطفأ أيّ جسد محترق عبر تاريخ المظالم. ولم يحدث أن سكت صوت صارخ من قلب النار. لا بل يكرّس التاريخ ثابتة أن تلك الشعلة تنتهي دوماً بالنصر، ولا يكون الاحتراق حتى التكلّس إلا مصير الجثث المتحركة، والأحياء المحنطين، والموتى أصلاً، الذين تفرض الحياة موتهم.

تبقى مفارقة أخيرة: قبل عقود، كانت الأجساد المتّقدة تشرق غالباً من عواصم تئن تحت وطأة موسكو الحمراء. اليوم باتت تبزغ من أرض تستجير بواشنطن، حتى استجرار الجور منها. كأنّ جدليّة الحرية والظلم لا بوصلة لها في الأرض إلا قبلة القلب.

1/14/11

أولاد يهوذا: موجز من تاريخ الخيانة

أولاد يهوذا: موجز من تاريخ الخيانة




الخيانة ليست ظاهرة جديدة. فما شهدته الساحة اللبنانية في السنتين الماضيتين، ومصر أخيراً، من خيانة مواطنين وتعاملهم مع العدو الإسرائيلي، يغوص في التاريخ القديم، العربي وغيره. ومع أنّ يهوذا، الذي باع المسيح مقابل الفضة، يعدّ أشهر خائن في التاريخ، فإنّ للعرب حصتهم الكبيرة. ابن العلقمي، وشاور، وامرؤ القيس وأبو رغال وغيرهم، باعوا قومهم، وتعاونوا مع أعدائهم، كلّ لأسبابه. وللخيانة أهمية دفعت الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، إلى تخصيص قسم من ديوانه «الكوميديا الإلهية»، للخونة



سيف دعنا (الأخبار العدد ١٣١٣ الخميس ١٣ كانون الثاني ٢٠١١)

في أعقاب إعلان كولن باول، الجمهوري الانتماء، الذي خدم وزيرَ خارجية في حكومة بوش الصغير، تأييده للمرشح الديموقراطي للرئاسة الأميركية، باراك أوباما، في تشرين الأول 2008، نشر رسام الكاريكاتور غوردون كامبل رسماً لبنيديكت أرنولد بوجه أسود، مع التعليق «بنيديكت باول، مناضل للعرق»، متهماً باول، بالتالي، بارتكاب عمل خيانة، من الطراز الأول. ربما كان هذا الرسم لافتاً، لأسباب كثيرة تتعلق بالعلاقات العرقية أو العنصرية والتمييز في أميركا. وربما يكون لافتاً أيضاً، لكونه يستمد منطقه من تراث قانوني إنكليزي قديم، استخدم لقمع أيّ شكل من المعارضة أو النقد للملكية المطلقة، بتخوينه التعسفي حتى للأفكار والكلمات، كما يحصل اليوم في بلاد «قانون الوطنية» (انظر: ريبيكا ليمن، الخيانة بالكلمات). لكنّه كان مؤشراً، إن لم يكن تأكيداً جديداً، على أنّ بنيديكت آرنولد هو، بلا منازع، دلالة الخيانة العظمى، والخائن الأول في التاريخ الأميركي.

اللافت في قصة وشخصية بنيديكت آرنولد، الذي قد يكون أحد أسباب اعتباره رمزاً متميّزاً للخيانة، ليس فقط أنّه خان شعبه، بل لكونه انتقل الى موقع الخيانة الكبرى من موقع البطولة المتميزة، أو لكونه استغل موقعه القيادي في التآمر على أبناء أمته. فآرنولد هذا، كان أحد أبطال وقادة الثورة الأميركية، أُصيب في معاركها ضد الجيش الإنكليزي، وكان قريباً من قائدها جورج واشنطن. لكنّه تآمر لاحقاً على الثورة ذاتها التي ضحى من أجلها، وانضمّ إلى الجيش البريطاني العدو، وانخرط في صفوفه في 1779، ومن ثم قاد الهجوم على مواقع رفاقه السابقين بنفسه.

للكثير من البلدان بنيديكت آرنولد الخاص بها، أي البطل القومي أو الثائر الذي تحوّل إلى خائن من الطراز الأول. فقبل أن يتحالف فيليب بيتان مع الاحتلال النازي لفرنسا، مثلاً، ويصبح زعيم حكومة فيشي، التي نصّبتها النازية الألمانية، وينفذ سياستها أثناء الحرب العالمية الثانية، كان أحد أهم أبطال فرنسا في الحرب العالمية الأولى. خيانته التي أفضت إلى الحكم عليه بالإعدام، الذي خُفف لاحقاً إلى السجن مدى الحياة فتوفي في 1951، حوّلت اسمه أساساً إلى اشتقاق مفهوم «البيتانية»، الذي دخل القاموس السياسي والشعبي الفرنسي (البيتانية هي السياسة الناتجة ممّا سمّاه ألان باديو، تحالف الحرب والخوف. انظر: ألان باديو، الفرضية الشيوعية، نيو لفت ريفيو، عدد 49، 2008). هناك أيضاً «البيتانية الجديدة»، التي تصف وتفسر العنصرية الساركوزية، وحتى البرلسكونية، في التعامل مع المهاجرين والفقراء.

وفي التاريخ العربي، يحظى ابن العلقمي، وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي يؤرخ البعض لخيانته وتآمره مع التتار وتسهيل دخولهم لبغداد وخرابها، برمزية متميزة حين يجري الإشارة إلى الخيانة. وهناك أيضاً شاور، وزير الخليفة الفاطمي العاضد في مصر، الذي لم يكتف بمراسلة الصليبيين والتآمر معهم، بل والقتال الى جانبهم ضد أبناء أمته ومشاركتهم في حصار الاسكندرية (وهذا قبل مشاركة حاكم مصر الحالي للكيان الصهيوني في حصار غزة بحوالى ثمانمئة وخمسين عاماً) .

لكن قد تكون قصة امرئ القيس، الذي لم يتوانَ في طلب المساعدة من الروم لاسترداد ملك أبيه، ذات رمزية خاصة أيضاً في حاضر عربي، يستقوي فيه البعض بروم عصرنا. فبرغم عبقريته الشعرية، التي ربما لم يضاهِه فيها شاعر آخر، نقل عن الرسول محمد قوله في امرئ القيس، إنّه «صاحب لواء الشعراء في النار». كذلك رآه وحاوره ابن القارح مع شعراء آخرين شاهدهم في جهنم، وفق ما تخيل أبو العلاء المعري في «رسالة الغفران». وحتى في نقد محمود درويش «المجازي» لاتفاقية أوسلو، كما وصفه سنان أنطون، حضرت فعلة امرئ القيس الشنيعة برمزيتها (انظر: سنان أنطون، نقد محمود درويش المجازي لأوسلو، مجلة الدراسات الفلسطينية، شتاء 2002). وفي قصيدته «خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس» في مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيداً» يقول درويش:

لم يقل أحد لامرئ القيس: ماذا صنعت

بنا وبنفسك؟، فاذهب على درب

قيصر، خلف دخان يطل من

الوقت أسود. واذهب على درب

قيصر، وحدك، وحدك، وحدك

واترك لنا، ههنا، لغتك!

قد يكون درويش، مثل الكثيرين من العرب، عشق شعر امرئ القيس (مَن مِن العرب لا يحفظ عن ظهر قلب مطلع معلّقته على الأقل، أو مقولته المأثورة حين علم بمقتل أبيه «اليوم خمر، وغداً أمر»). وقد يكون تأثر به فعلاً، لكن هذا لم ولا يغفر له فعلته. وربما كان درويش يفكر في ذلك «الملك الضليل»، الاسم الذي أطلقه العرب على امرئ القيس، حين كتب في مطلع التسعينيات عن «ملك الاحتضار» الذي يطيل التفاوض، يسلم مفاتيح القلعة، ويتلو معاهدة الصلح، في قصيدته «للحقيقة وجهان» في مجموعة «أحد عشر كوكباً». وربما كان درويش يفكر في شخص آخر لم يستطع ذكره مباشرة، لسطوته، حين قال لامرئ القيس «ماذا صنعت بنا وبنفسك»، و«اذهب على درب قيصر وحدك»، فالحاضر يمثّل ويؤسس رؤيتنا للتاريخ وروايته.

التاريخ العربي مليء بما ينبذ الخيانة بشدّة، بدءاً بأبي رغال، الدليل العربي للغزو الحبشي لمكة عام 570 ميلادية. فأبو رغال هذا، أصبح رمز الشيطان في الثقافة العربية، فرجم العرب قبره قبل الإسلام وبعده ولا يزالون، وضربوا فيه الأمثال. وذكره أشهر شعراء الهجاء، كما فعل جرير بتشبيه الفرزدق به في الضديات، وأحياه مجدداً، ليلعنه وأمثاله طبعاً، عميد الأسرى المحرر سمير قنطار في رسالته الشهيرة من المعتقل الصهيوني في آذار 2006 (يحكى أيضاً أن ما يرجمه ملايين الحجاج المسلمين في العاشر من ذي الحجة من كلّ عام، أهم أيام التقويم العربي، ولثلاثة أيام متتالية، في أحد أركان الحج ويعدّ رجماً لإبليس، هو في الحقيقة رجم الموقع المفترض لقبر هذا الفاجر، عملاً بتقليد عربي سبق الإسلام).

كذلك يجب ألّا ننسى حادثة «أبي لبابة» الشهيرة، وقصته مع بني قريظة، التي نزلت فيها الآية الكريمة التي تنهى عن الخيانة (الأنفال:27). كذلك، ما ورد عن الرسول الكريم في استعاذاته «اللهمّ إني أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنّها بئس البطانة»، وقوله «يُطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا الخيانة والكذب».

الأسماء التي دخلت وتدخل تاريخ الشعوب، وأحياناً تاريخ الإنسانية جمعاء في بعض الحالات كرموز قبيحة للخيانة، لم تكن مجرد حالات تآمر مع العدو وخيانة لبني الجلدة فقط، بل عادةً ما تكون هذه الشخصيات قد انتقلت من موقع الى موقع آخر مضاد، وفي الأغلب من موقع الثورة والتغيير والقيادة الى موقع الخيانة، أو أنّها استغلت موقعها المتنفّذ لدى شعبها، لخيانته والتآمر عليه. أشهر هذه النماذج، رغم أنّه ليس أولها بالتأكيد، كان يهوذا الاسخريوطي، الذي خان معلمه، السيد المسيح، وانتقل الى الموقع المضاد. حتى إنّ أصل كلمة خائن بالإنكليزية (تريتور) مأخوذة من الأصل اللاتيني (تراديتوريم ـــــ الاسم تراديتور) التي تعني تسليم شيء ما، مثل تسليم شخص ما أو معلومات. وهي دلالة على فَعلة هذا الشقي، الذي سلم السيد المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، وهو ما يفسر استخدام العديد من المعاجم اسمه كأحد مرادفات كلمة خائن. ليس هناك لعنة أكبر من أن يكون اسم شخص ما هو الأساس الذي تشتق منه كلمة الخيانة ذاتها، لكن عبقرية الشعوب التي يخونها بعض قادتها، أبدعت في تحويل اسم من يخونها الى نعت قبيح الدلالة، وأحياناً اشتقاق مفهوم ذي دلالات بشعة من الاسم كوسيلة للعقاب والتوبيخ الأبدي. فقرضاي، مثلاً، أصبح مفهوماً سياسياً، لا اسماً، مثل الكثير من الأسماء التي أصبحت دلالات سياسية قبيحة. فيكفي أن يوصف شخص ما بأنّه «قرضاي بلاده»، حتى يتلطّخ اسمه عند شعبه. وحتى بعض الألقاب مثل كلمة «شاه» لم تعد تدل على معناها الأصلي (ملك)، بقدر ما أصبحت تعني طاغية وتابعاً لأميركا. وهذه لعنة عبّر عنها بإبداع الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته «آه يا خي» في ملك مصر آنذاك:

«كنا والمظلوم إذا هاجم جريء

كنا لو كان الخميني عمنا

والمعارضة يد واحدة عندنا

دسنا شاهنا وأمريكانه بنعلنا».

لا تحتل خيانة يهوذا للسيد المسيح المرتبة الأولى بين كل الخيانات فقط. لقد أصبح هذا اللعين، في المخيلة والثقافة الإنسانية، مثل «الدال العائم» (حربائياً متلونناً، كما استخدم المفكر منير العكش هذا المفهوم)، يرمز لا لخيانته للسيد المسيح فقط، بل لكل، وأي من حالات الخيانة الكبرى كالتنازل عن الوطن أو خيانة الشعب وأبناء الجلدة. ربما لهذا السبب اختار دانتي اليغييري، صاحب «الكوميديا الإلهية»، أن يطلق اسم هذا الرجيم على الحلقة الرابعة والأخيرة (جوديكا)، والأسوأ بالتأكيد بين كل الحلقات، من الدائرة التاسعة والأخيرة، والأسوأ أيضاً بين كل الدوائر، من القسم السفلي للجحيم، التي خصصها مسكناً أبدياً للخونة.

وليس أدل على بشاعة اقتراف فعل الخيانة بحق أبناء الجلدة، من تراتبية دانتي لسكان الجحيم، كما جاء في «الكوميديا الإلهية». فهو لم يضعهم في أسفل دائرة فقط، بل حتى فضل عليهم أسوأ «القوادين» الذين منهم من باع جسد أخته، وجعل بينهم مسافة وفصل بينهم (أسكنهم الحلقة الأولى من الدائرة الثامنة، حيث يقبع فنيديكو كاتشانيميكو، الذي استخدم جسد شقيقته جيسوبلا لتحقيق أهداف سياسية). هناك كذلك في الدائرة التاسعة والأخيرة ذاتها، وفي حلقة أخرى تحمل اسم خائن آخر أيضاً، يقبع أنتينور الطروادي، الذي تآمر مع اليونان ضد بني جلدته وأهله في طروادة، وفتح للأغراب الأعداء باب المدينة المحصنة، وكان سبباً في سقوطها. وبرغم أنّ هوميروس، في «الألياذة»، وشكسبير، في «ترويلس وكريسيدا»، لم يشيرا الى خيانته بوضوح، فإنّ إدانة دانتي له ستلطخ اسمه وتلحق به العار إلى الأبد.

وفي أنتينورا، الحلقة الثانية في الدائرة التاسعة من الجحيم، التي سماها دانتي باسم أنتينور، وهي حلقة من يمكن تسميتهم بلغة عصرنا القادة الخونة، يقبع أيضاً أوغولينو، الشهير بأكل لحوم أبنائه. أوغولينو هذا، مثل الشقي الطروادي أنتينور، خان مدينته بيزا بتسليم قلاعها لعدوتها فلورنسا. هناك أيضاً، في الدائرة نفسها، يقبع بروتوس، الذي يشبه الى حد بعيد يهوذا، بفعلته وخيانته لقائده يوليوس قيصر. سيحفر شكسبير لاحقاً هذه الخيانة في الوعي الإنساني من خلال عمله «يوليوس قيصر»، لتصبح عبارته «حتى أنت يا بروتوس»، دلالة إلى الخيانة العظمى وقريبة كثيراً في رمزيتها من قبلة يهوذا للسيد المسيح. قبلة الموت، التي يذكرها شكسبير، كدلالة للخيانة أيضاً في «هنري السادس».

الدائرة التاسعة والأسوأ في الجحيم بحلقاتها الأربع، التي تحمل كلّ منها اسم خائن كدلالة على أنواع الخيانة الأربعة وموقع كلّ منها في الدائرة الأسوأ من جهنم، حسب تصنيف دانتي، تعج بالخونة. الطريف أنّ بعض من ذكرهم دانتي، حين كتب «الكوميديا» حوالى عام 1300 ميلادية، وشاهد أشباحهم في الجحيم، كانوا لا يزالون على قيد الحياة. وعاش بعضهم حتى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، عقب روايته لمسلسل عذابهم في جهنم (يذكر دانتي، مثلاً، الأخ البريجو، الذي خان ضيوفه وأقرباءه وقتلهم، وكانت الإشارة طلبه للفاكهة بعد العشاء، فأصبح مصطلح «فاكهة الأخ البريجو» أو «فاكهة الشر» دلالة للخيانة أيضاً)، لكن أرواحهم، كما قال، تذهب الى الجحيم فور خيانتهم، رغم كونهم أحياء، ليبدأ عذاب الروح مع بدء الخيانة، فيما تتلبس الشياطين أجسادهم الحية الفارغة من الروح.

هناك في كلّ اللغات وكلّ الثقافات وكلّ أشكال التعبير، إجماع على بشاعة الخيانة وقبحها، واتفاق على لعنة الخونة. وهذه اللعنة، كما يبدو من كتب التاريخ والأدب والفن والفولكلور، تلاحق الخونة بكلّ اللغات، وفي كلّ الثقافات وبكلّ الأشكال الأدبية والتعبيرية، وتدوم ما دامت اللغة والثقافة والشكل التعبيري. وغالباً ما يكون متفهماً تماماً، في هذه التعبيرات، شكل نهايتهم. نهاية، تكون أحياناً بعضاً من عقوبة مستحقة، وإن كانت مقززة، كعقوبة أوغولينو الذي قضى آخر أيامه في السجن مع أبنائه جائعاً واضطر، حسب رواية دانتي، إلى أكل لحمهم. ربما أراد دانتي أن يشبّه من يخون شعبه بمن يأكل لحم أبنائه، أو أراد أن يزيل أي فارق بين من يخون شعبه ومن يأكل لحم أبنائه، الفعل الذي لا يمكن تخيله أو تخيل ما هو أبشع منه أبداً. بعض من انتقاهم دانتي ليضمهم إلى ملحمته الشعرية، لتلاحقهم اللعنة ما دام هناك من يقرأ شعراً على وجه هذه البسيطة، وأسكنهم الدائرة التاسعة، دخلوا التاريخ كرمز فريد للانحطاط. فأصبح هؤلاء، لاحقاً، مادة للتحقير في الأعمال الأدبية، والفنية، والتاريخية، كأنّه إصرار من التاريخ، على ضرورة استمرار عقاب هؤلاء الخونة والاستمرار في توبيخهم إلى الأبد. هكذا فعل شكسبير ببروتوس لاحقاً، لتحل عليه اللعنة مع كل قراءة أو أداء لـ«يوليوس قيصر»، بأي لغة وأي رؤية أو شكل وفي أي زمان أو مكان.

في «دانتي العادل»، يقول الشاعر الإيطالي أونغاريتي «إنّ هذا العمل (الكوميديا الإلهية) هو تعبير شاعر عن اعتقاده القوي بأنّ عدالة معينة تظل تفرض نفسها، وأنّ تسامياً أو خلاصاً، لا يبدو ممكناً، من دون أن يتلقى كل امرئ جزاء فعله، ثواباً كان ذلك أو عقاباً» (انظر كاظم جهاد: الأنشودات الثماني الأولى، الكرمل عدد 70 ـــــ 71، 2002). ربما لهذا السبب يقول دانتي في الأنشودة الثامنة من الجحيم، كما ترجمها الشاعر كاظم جهاد:

«كم من أناس يحسبون أنفسهم هناك ملوكاً جبارين

ويكونون هنا كالخنازير في الزبل

جالبين لأنفسهم أشنع الازدراء».

ويدلل على قباحة الخيانة أيضاً، وصف دانتي في «الجحيم»، لعقاب الخونة الشنيع والأبدي. ففيما يشارك يهوذا، مثلاً، بروتوس وكاسيوس العقاب (يلتهم أجسادهم وحش شيطاني بثلاثة رؤوس)، تظل عقوبتة مميزة عنهم. فالشيطان يلتهم رأسه أولاً، لا جسده، فيما يجري في الوقت ذاته سلخ الجلد عن جسده (فكرة رسم ويليام بليك للشيطان ذي الرؤوس الثلاثة مستوحاة من جحيم دانتي). وبلاغة الوصف في العذاب ربما تكون أكثر ما تكون دلالة، ليس على عقوبة مستحقة وجزاء عادل، بقدر ما تؤشر إلى قباحة الفعل أيضاً. وفي التاريخ العربي، ليس هناك ما هو أكثر بلاغة من وصف جهنم وقباحة الفعل (الظلم في هذه الحالة) مما ورد في سورة الكهف (الآية 29) في القرآن. ربما لهذا السبب افتتح «حزب الله» الرسالة المفتوحة عام 1985 بهذه الآية: «أنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا».

ماذا لو كان بمقدور أبي العلاء المعري أن يعيد كتابة «رسالة الغفران» في أيامنا، أو كان بمقدور دانتي اليغييري إعادة كتابة «الجحيم» في القرن الحادي والعشرين؟ هل كان أبو العلاء سيروي عن مشاهدة ابن القارح لأناس، نعرفهم جيداً، في جهنم؟ أم هل كان دانتي سيقوم بإضافة بعض الأموات وأشباح الأحياء، ممن عرفناهم ونعرفهم، إلى الدائرة التاسعة من الجحيم؟ أم كان، ربما، سيضيف دائرة عاشرة تناسب بشاعة أفعال أوغاد زمننا هذا؟

ربما لا يمكننا أن نعرف من كان أبو العلاء أو دانتي سيضيفان كسكان دائمين في الجحيم، لكن خيال الشعوب وعبقريتهم لا تعجز أبداً. كان الشاعر البلشفي فلاديمير ماياكوفسكي، قد تخيل مرة اختراع آلة للتنقل في الزمن، لتساعد الناس على تسريع الخطابات الطويلة والمملة للقادة السياسيين (ف. ماياكوفسكي: الحمامات العمومية). فكرة ماياكوفسكي الظريفة عن آلة الزمن قد تساعدنا على تخيل كيف ستكون كتب التاريخ والأدب والشعر العربي، وكذلك الأمثال الشعبية والنعوت السائدة في المستقبل. وتساعدنا على تخيل من سيلحق بأبي رغال وابن العلقمي وشاور، ومن، ربما، سيرجم الناس قبره في المناسبات الوطنية، ومن سيكون اسمه دلالة انحطاط وشتيمة في كلّ مصر وفي كلّ سلطة. لكن بسبب الوضوح الفاقع في وضعنا العربي الراهن (حتى قبل تسريبات ويكيليكس)، ربما لا نحتاج حتى إلى آلة الزمن ولا إلى أفكار ماياكوفسكي الظريفة، فبعض هذه الكتب، ربما يكون في طور الإعداد والتوثيق، وهذه المرة ستكون الإدانة بالصوت والصورة والوثيقة (ربما لم ير «غسان الجد» وأمثاله في أسوأ كوابيسهم أنّ إدانتهم ستكون في أحد أكثر المؤتمرات الصحافية مشاهدة، وعلى العديد من محطات التلفزة، ولاحقاً على الإنترنت لمن فاته البث المباشر).

لكن يظل توبيخ من يخون شعبه وعقابه، عبر تحوّله إلى رمز لأقذر فعلة ممكنة، دليلاً، ليس على بشاعة الفعل أو على شكل ما من أشكال العدالة الأخرى التي لم يتحدث عنها أونغاريتي أو دانتي فقط، لكن على قدرة الشعوب على تجاوزهم وتجاوز تأثيرات فعلتهم بمرور الزمن، والاستمرار في الوقت ذاته في فضحهم وتوبيخهم. فحتى يهوذا، صاحب أصل كلمة الخيانة، لم يستطع أن ينجو بفعلته الشنيعة ويحقق مبتغى أسياده. فالشعوب أقوى وأبقى ممن يخونها، كما يقول الشيخ إمام في «دار الفلك»:

«يهوذا خان

أكم يهوذا وباع مسيح

لا يهوذا دام

ولا جرح بيلازم جريح».



* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ــ بارك سايد

وصية

نصيحة أب لابنـــه







بني



... لكي تكون ملكا مهابا بين الناس ..



إياك أن تتكلم في الأشياء



إلا بعد أن تتأكد من صحة المصدر ..

وإذا جاءك أحد بنبأ فتبين قبل أن تتهور..



وإياك والشائعة ..لا تصدق كل ما يقال ولا نصف ما تبصر ..



وإذا ابتلاك الله بعدو .. قاومه بالإحسان إليه .. ادفع بالتي هي أحسن ..

فإن العداوة تنقلب حباً ..



*----------- -----*



إذا أردت أن تكتشف صديقاً .. سافر معه .. ففي السفر .. ينكشف الإنسان ..

يذوب المظهر .. وينكشف المخبر ! ولماذا سمي السفر سفراً ؟؟؟

إلا لأنه عن الأخلاق والطبائع يسفر !



*----------- -----*



وإذا هاجمك الناس وأنت على حق .. أو قذعوك بالنقد.. فافرح ..

إنهم يقولون لك .. أنت ناجح ومؤثر .. فالكلب الميت.. لا يُركل !

ولا يُرمى إلا الشجر المثمر !



*----------- -----*



بني :

عندما تنتقد أحداً .. فبعين النحل تعود أن تبصر ..

ولا تنظر للناس بعين ذباب ... فتقع على ما هو مستقذر!



*----------- -----*

نم باكراً يا بني .. فالبركة في الرزق صباحاً ..

وأخاف أن يفوتك رزق الرحمن .. لأنك.. تسهر !



*----------- -----*



وسأحكي لك قصه المعزة والذئب حتى لا تأمن من يمكر ...

وحينما يثق بك أحد فإياك ثم إياك أن تغدر !

سأذهب بك لعرين الأسد .. وسأعلمك أن الأسد لم يصبح ملكاً للغابة لأنه يزأر!!

ولكن لأنه .. عزيز النفس ! لا يقع على فريسة غيره !

مهما كان جائعاً .. يتضور .. لا تسرق جهد غيرك .. فتتجور !



*----------- -----*



سأذهب بك للحرباء .. حتى تشاهد بنفسك حيلتها !

فهي تلون جلدها بلون المكان .. لتعلم أن مثلها نسخ... تتكرر !

وأن هناك منافقين .. وهناك أناس بكل لباس تتدثر !

وبدعوى الخير .. تتستر !



*----------- -----*



تعود يا بني .. أن تشكر ..اشكر الله !

يكفي أنك تمشي .. وتسمع .. وتبصر !

أشكر الله وأشكر الناس .. فالله يزيد الشاكرين !

والناس تحب الشخص الذي عندما تبذل له .. يقدر !



*----------- -----*



اكتشفت يا بني .. أن أعظم فضيلة في الحياة.. الصدق!

وأن الكذب وإن نجى .. فالصدق أخلق ! بمن كان مثلك!



*----------- -----*



بني ...

وفر لنفسك بديلاً لكل شيء .. استعد لأي أمر !

حتى لا تتوسل لنذل .. يذل ويحقر !

واستفد من كل الفرص .. لأن الفرص التي تأتي الآن .. قد لا تتكرر !!



*----------- -----*



لا تتشكى ولا تتذمر .. أريدك متفائلاً .. مقبلاً على الحياة ..

اهرب من اليائسين والمتشائمين ! وإياك أن تجلس مع رجل يتطير !!



*----------- -----*



لا تتشمت ولا تفرح بمصيبة غيرك ... و إياك أن تسخر من شكل أحد ...

فالمرء لم يخلق نفسه .. ففي سخريتك .. أنت في الحقيقة تسخر !

من صنع الذي أبدع وخلق وصور !!



*----------- -----*



لا تفضح عيوب الناس .. فيفضحك الله في دارك ..

فالله الساتر .. يحب من يستر ! ولا تظلم أحداً ..

وإذا دعتك قدرتك على ظلم الناس .. فتذكر أن الله هو الأقدر !



*----------- -----*



وإذا شعرت بالقسوة يوماً .. فامسح على رأس يتيم ..

ولسوف تدهش .. كيف للمسح أن يمسح القسوة من القلب .. فيتفطر !



*----------- -----*



لا تجادل .. في الجدل .. كلا الطرفين يخسر !

فإذا انهزمنا فقد خسرنا كبرياءنا نحن !

وإذا فزنا فلقد خسرنا .. الشخص الآخر ...

لقد انهزمنا كلنا .. الذي انتصر ... والذي ظن أنه لم يُنصر !



*----------- -----*



لا تكن أحادي الرأي .. فمن الجميل أن تؤثر وتتاثر !

لكن إياك أن تذوب في رأي الآخرين ... وإذا شعرت بأن رأيك .. مع الحق ..

فاثبت عليه ولا تتأثر !



*----------- -----*



تستطيع يا بني أن تغير قناعات الناس ...



وأن تستحوذ على قلوب الناس وهي لا تشعر !

ليس بالسحر ولا بالشعوذة ... فبابتسامتك .. وعذوبة لفظك ..

تستطيع بهما أن تسحر !!

ابتسم ... فسبحان من جعل الابتسامة في ديننا.. (عبادة) وعليها نؤجر !!



في الصين …... إن لم تبتسم لن يسمحوا لك أن تفتح متجر ..

إن لم تجد من يبتسم لك .. ابتسم له أنت !

فإذا كان ثغرك بالبسمة يفتر .. بسرعة .. تتفتح لك القلوب لتعبر !!



*----------- -----*



وحينما يقع في قلب الناس نحوك شك .. دافع عن نفسك .. وضح .. برر !

لا تكن فضولياً تدس أنفك في كل أمر ..



تقف مع من وقف إذا الجمهور تجمهر !!

بني ..ترفع عن هذا .. إنه يسوءني هذا المنظر !!





*----------- -----*



لا تحزن يا بني على ما في الحياة ! فما خلقنا فيها إلا لنمتحن ونبتلى ..

حتى يرانا الله .. هل نصبر ؟؟؟

لذلك .....هون عليك ....ولا تتكدر ! وتأكد بأن الفرج قريب ...

فإذا اشتد سواد السحب .. فعما قليل ستمطر !!



*----------- -----*



لا تبك على الماضي .. فيكفي أنه مضى ..

فمن العبث أن نمسك نشارة الخشب .. وننشر !!

أنظر للغد .. استعد .. شمّر !!

كن عزيزاً .. وبنفسك افخر !

فكما ترى نفسك سيراك الآخرون ..

فإياك لنفسك يوماً أن تحقر !!

فأنت تكبر حينما تريد أن تكبر ..

وأنت فقط من يقرر أن يصغر !



*----------- -----*



وأخيراً



إذا أعجبك الموضوع فلا تقل شكـراً



رحم الله من نقلها عني وجعلها بميزان حسناتكم



وقال اللهم اغفر له ولوالديه ولأهل بيته ما تقدم من ذنبهم وما تأخر



وقِهم عذاب القبر وعذاب النار.



1/12/11

حلاويلا - كلمات أحمد فؤاد نجم و غناء الشيخ إمام

حلاويلا
كلمات أحمد فؤاد نجم و غناء الشيخ إمام

 



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله



ده الثوري النوري الكلمنجي .. هلاب الدين الشفطنجي

قاعد في الصف الاكلنجي ... شكلاطة و كاراميلا ..



يتمركس بعض الايام ... يتمسلم بعض الايام

و يصاحب كل الحكام .. و بسطعشر ملة ..



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله



يا حلاولو لو شفتو زمان .. مهموم بقضايا الانسان

بيتكتك لتقول بركان .. و لا بوتجاز و لا حلة ..



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله



اش حالك يا قريب اليوم .. اش جاب التفاح للدوم

و اش جاب الغرفة ببدروم ... للعربية و فيلا



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله



جرانين و منابر و ادارة .. و معلق طلبة و زمارة

يعطل أهو بيسلك يابا .. و يجيبوا المنافيلا



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله



دا ترستق هلاب الدين .. بقى عاقل جداً و رزين

و يعن عند المجانين .. إن عشنا و متنا بعلة



حلاويلا يا حلاويلا .. يا خسارة يا حول الله

12/27/10

إخلع كرامتك واتبعني

سعيد ناشيد (من جريدة السفير)

هذا العنوان مستوحى من عبارة افتتح بها نصري الصايغ إحدى مقالاته، وقد أوحت لي بدورها بأن أتخيل حكاية أسردها على المنوال التالي:
زعموا أنّ حماراً لقي أسداً في بعض الأدغال، وبعد أن بادره بالتحيّة والسلام، أردف يقول: أيّها الأسد المعظم والملك المبجل، لك عليّ أن أقدم لك نصيحة تجلب لك الخير أبد الدّهر وتدفع عنك الضرر إلى آخر العمر، على أن تتركني أعود لموطني ومسكني سالماً معافى. فردّ الأسد بالقول: لك ما تشاء أيها الحمار الثرثار، فأرني ما لديك من أفكار.
فقال الحمار:
انظر يا ملك السباع إلى مآلك ومآل قومك من بني جلدتك؛ حيث اقتنص الإنسان معظم الأسود، ولم ينج منكم سوى النزر القليل وإلى حين، وقد زحف الناس على بقاعكم واكتسحوا أصقاعكم، وما تركوا لكم سوى القليل من الأدغال، هم مدركوها لا محالة. فعجل بالنجاة من الهلاك، واتخذ رأياً سديداً تضمن به لنفسك البقاء، وتأمن لنسلك النجاة من الفناء.
فردّ الأسد الحيران:
ما عساني أفعل أيها الحمار الغريب الأطوار؟
أجاب الحمار قائلاً:
تقوم، يا سيدي وسيد الغابات والأدغال، بمبادرة جليلة سيذكرها لك «تاريخ الحيوان» ويُخلد بها اسمك في ذاكرة الأجيال؛ تبرم اتفاقية سلام دائم وشامل مع الإنسان، على أن تشرع منذ الآن في القيام بأجل الأعمال، فتبدي للإنسان صفاء النية وصدق الطوية، ولا بأس أن تكفّ عن الزئير، وأن ترضى بطعام الشعير، ويَحسن بك أن تشذب مخالبك؛ لأنها تسيء لحسن سمعتك، وأن تهدب أنيابك؛ لأنها تفسد جمال هيئتك، وخليق بك أن تبدي استعدادك لخدمة الناس أينما حلوا وارتحلوا، فتحمل عنهم ما ثقل حمله وتفعل لهم ما شقّ عليهم فعله، وتطيعهم في السراء والضراء، وتنقاد لهم انقياد العبد لسيد والمُريد لشيخه والأعمى لقائده. وبهذا تضمن نجاتك من الهلاك وانفلاتك من الفناء. وقد قيل قديماً : حياة الإذعان خير من وفاة الشجعان.
وبعد أن أنهى الحمار هذا الحوار، فكر ودبّر ثم قدّر وقرّر، فقال للأسد الحائر:
لقد كنتُ مثلك أسداً في الأدغال، ولأن الله حباني ببُعد نظر ورُجحان عقل، أصبحتُ حماراً كما تراني. وإذا أردتَ أن تسمعني فاخلع كرامتك واتبعني.