Showing posts with label Comments - Political. Show all posts
Showing posts with label Comments - Political. Show all posts

6/16/13

التعليم والمستقبل - في هندسة شخصيّة الأجيال

نحو مزيد من "الإختصاصيين ذوي البعد الواحد" - كتبت نهلة الشهّال عن ظاهرة التغييرات في المناهج الدراسيّة والتي تذهب باتجاه المزيد من التخصّص واستخدام "هندسة الخيارات"  بخبث يبعد التلاميذ عن اختيار الفلسفة والآداب والفنون وكل ما قد يبني ثقافة وفكرا نقديّا حرّا ... 

 "وأما البشرى فهي ان أهل الأدبي لن يدرسوا بعد الآن أي مادة علمية، وأهل العلمي لن يمسوا أي مادة أدبية. وأصبحت مواد كالاقتصاد مثلا اختيارية"


http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=963&refsite=arabi&reftype=home&refzone=editorial


                
 المشكلة الحقيقية هي في الغاء مادة الفلسفة وما تمثله كمنهج للتفكير النقدي وهي محاولة خبيثة لأسر الفكر. مؤسف

 الأنظمة الدراسيّة موضوع كبير جدا ولكن قلّة "الإنسانيّة" (فلسفة - آداب - تاريخ - إجتماع - فنون) في ما يدرَّس ، والتخصيص المبكر ، هي عوامل تساهم في خلق جيل من الآليين المطيعين المقلِّدين

قصة طريفة يرويها سلام الراسي من خلال ترويجه للأدب في مجالسه كضرورة لكل رجل.
قاطعه رجل ضيعجي حينها قائلا: "ومن ايمتا يا شيخ بوعلي، كان الأدب يعمل الإنسان رجّال؟"
ردت زوجته حينها قائلة: "الأدب بيعمل الرجال إنسان"

 ممتازة -- المزيد عن تفاعل الموضوع هنا :

"رأى حنفي أن قرار وزير التعليم «يعبّر عن طبيعة النظام السياسي ورؤيته لخطورة الفلسفة ـ أي الفكر الحر ـ على الدين واستقرار النظام»، معتبراً أن «قرار الوزير ليس قرار هيئة علمية، بل هو قرار له هدف بعيد، وهو نشأة الطلاب في جو من الطاعة والاستسلام باسم الدين واستبعاد الفلسفة باعتبارها مضادة للدين" ---

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2486&articleId=1265&ChannelId=59909&Author=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%20%D8%B4%D8%B9%D9%8A%D8%B1


1/25/13

Quotes from Naom Chomsky

A recent post included some very intersting from Naom Chomsky on the 'American Empire' .... These quotes are very valid points in a discussion of global control , and pose important issues in the politics that run our world :

“Globalization is the result of powerful governments, especially that of the United States, pushing trade deals and other accords down the throats of the world’s people to make it easier for corporations and the wealthy to dominate the economies of nations around the world without having obligations to the peoples of those nations.” — Source : “Profit Over People: Neoliberalism and the Global Order”

This is another important one: 
“[The U.S. still names] military helicopter gunships after victims of genocide. Nobody bats an eyelash about that: Blackhawk. Apache. And Comanche. If the Luftwaffe named its military helicopters Jew and Gypsy, I suppose people would notice.” — “Propaganda and the Public Mind: Conversations With Noam Chomsky and David Barsamian”

Full Article Here : http://www.salon.com/2013/01/18/7_chomsky_quotes_that_expose_the_american_empire/

6/1/12

سيجارة وموز.. وحرية

سيجارة وموز.. وحرية

اياد زيعور
«في العالم قوتان فقط: السيف والعقل، وعلى المدى البعيد ينهزم السيف دائماً أمام العقل»
نابليون بونابارت

الجلبة كبيرة في استعراض الفصح السنوي في مدينة نيويورك، الصحافيون يتراكضون لتصوير مشهد غير مألوف... بل مثير للدهشة، مجموعة من الحسناوات الممشوقات القامة يدخنَّ في الملأ بشكل استعراضي مليء بالتحدي والتفاخر... كانت أعراف العام 1929 تعتبر تدخين المرأة في العلن من الرذائل التي تدعو للخجل، لكن الحسناوات كن يتغطين بشعار نبيل: السيجارة هي مشعل الحرية Torch of Freedom. تحت هذا الشعار اعلنت الحسناوات ان السيجارة هي عنوان تحدي ظلم الرجل والتساوي معه... إنهن أبطال الحرية الجدد اللواتي يكسرن حاجز الخوف ويلهمن الأجيال الجديدة.
ستمر سنون طويلة قبل أن يتضح حقيقة ما جرى في ذلك اليوم، لم تكن الحسناوات بطلات الحرية بل كن مجموعة من العارضات المدفوع أجرهن لتحقيق هدف بعيد كل البعد عن الشعار الذي رفع. في الحقيقة فإن هذه العراضة لم تكن الا مجرد حملة علاقات عامة من حملات مؤسس هذا العلم لحساب شركات التبغ التي كانت تهدف لزيادة مبيعات السجائر عند النساء. بالرغم من قلة المتداول عنه، يعتبر ادوارد برنايز (Edward Bernays18911995) مؤسس علم العلاقات العامة، أحد عباقرة القرن العشرين الذين أسسوا لتفوق أميركا السياسي والاقتصادي ولانتصاراتها، لا سيما في الحرب الباردة. كان تأثير برنايز على المجتمع الأميركي والعالمي هائلا، حتى أن مجلة «لايف» اختارته كواحد من الشخصيات المئة الأكثر تأثيراً في القرن العشرين.
جلب نجاح برنايز الباهر في زيادة التدخين عند النساء الكثير من الاهتمام الى هذا العالم الشاب، ليس فقط من الشركات التي تهافتت على خدماته، بل حتى من السياسيين ومؤسسة الاستخبارات. وعلى مدى خمسين سنة سيلعب برنايز دوراً كبيراً في تطوير تقنيات التحكم بمزاج الجموع، وهي عملية سماها «هندسة المزاج» the engineering of consent، وهو العنوان الذي يحمله احد كتبه الذي نشر العام 1947.
اكتشف برنايز سهولة التحكم بالمزاج العام خلال عمله في وحدة الحرب الدعائية السرية Committee on Public Information اثناء الحرب العالمية الأولى التي كان دورها تغذية وسائل الاعلام بما يجب أن ينشر لدعم المواقف الحكومية (البعض يسميها الغرفة السوداء هذه الأيام). وبعد نجاحاته المتعددة في تغيير مزاج الجموع في التسويق، عاد برنايز لممارسة تقنياته لأهداف سياسية. في الخمسينيات، صمم برنايز حملة ناجحة للعلاقات العامة لحساب شركة الموز الاميركية شيكيتا Chiquita للإطاحة بحكومة غواتيمالا الديموقراطية.
فبعد انتخابه رئيساً، هددت إصلاحات الرئيس اربينز Jacobo Arbenz ارباح شركة «شيكيتا»، فكلفت الأخيرة برنايز مهمة تغيير المزاج في غواتيمالا تجاه الرئيس اربينز. كان اربينز يقوم بإصلاحات ذات شعبية عالية مثل توزيع الاراضي على الفلاحين الفقراء الذين يشكلون الغالبية الساحقة لشعب غواتيمالا والذين كانوا يعملون في ظروف مجحفة عند شركات الموز الاميركية. ومع ذلك تمكن برنايز بالتعاون مع المخابرات الأميركية من تحويل الصراع، الذي هو بأصله حول حقوق فقراء غواتيمالا في مواجهة جشع الشركات الاميركية، الى أشكال أخرى تحول فيها جزء كبير من الفقراء انفسهم الى ثوار ضد الذي كان يحاول مساعدتهم.
احتاج الامر الى صناعة الكثير من الأحداث الأمنية والإعلامية التي هندسها برنايز كما يهندس اي منتج لتتغير الصورة بالكامل وينطلي الامر على الشعب الاميركي ورئيسه قبل ان ينطلي على شعب غواتيمالا. لم يكن من السهل مواجهة المطالب الاجتماعية للفقراء، فقام برنايز باعادة تشكيل المشهد بإحياء النعرات العرقية بين قوميتي المستيوزو والمايا الأشد فقراً. وبحبكة لا تخلو من الخبث تحولت الصورة في الداخل الى صراع على النفوذ بين القوميتين.
وهكذا أدخل برنايز و«السي آي أي» غواتيمالا في حرب اهلية دامت 35 سنة. ولم يستثن برنايز في حملته، التي جند لها مئات الصحافيين ووسائل الاعلام، حتى الشعب والادارة الاميركية الذين صدقوا ان الصراع اصبح مع الشيوعيين الذين يهددون الأمن القومي الاميركي. فبعد سقوط حكم اربينز على يد «جيش الحرية» الذي أنشأته «السي آي أي»، ذهب الرئيس الاميركي هاري ترومان الى غواتيمالا ليحتفل بسقوط «التهديد السوفياتي» ووراءه كومة من الكتب الماركسية وجدت في القصر الرئاسي، كدليل قاطع على ارتباط اربينز بالمحور السوفياتي. علماً أنه اليوم، لا احد يشكك بأن هذه الكتب لم تكن إلا إحدى فبركات برنايز (بأعتراف ابنته)، وأن اربينز لم يكن له اي علاقة بالسوفيات أو بالشيوعية.
وفي أواخر حياته سئل برنايز عما اذا كان يحس بالذنب بسبب أن حملته أدت الى سقوط ربع مليون غواتيمالي بين قتيل ومفقود، فأجاب أنه كان يخدم مصلحة اميركا. ولما قيل له إن هذه الحرب الأهلية لم تخدم اميركا بل فقط خدمت زبونه شركة الموز الاميركية، اجاب بطريقة تعبر عن النفاق الذي جعله علماً، بأنه لا يفرق بين مصلحة الشعب والشركات الاميركية.
هذا النجاح الرخيص الكلفة للأميركيين، الذي سبقه بسنة واحدة نجاح آخر بإسقاط حكومة مصدق في ايران، سيؤسس لعقيدة حرب اميركية مبنية على تقنيات هندسة المزاج، وستبلغ ذروة نجاحها مع إسقاط الاتحاد السوفياتي. ولعل حروب بوش في العراق وأفغانستان كانت احدى الاستثناءات القليلة عن هذه العقيدة، والتي سرعان ما اعيد الاعتبار لها مع موجة الثورات الملونة و«الحرب الناعمة».
برنايز في الواقع لم يكن الا جزءا من حركة فكرية خلال القرن العشرين لا ترى في الإنسان العادي إلا مخلوقا فاقدا للرشد irrational تحركه الغرائز. هذه الحركة الفكرية كانت تعتمد على نظريات عالم النفس الشهير سيغموند فرويد الذي هو خال برنايز، وقد ضمت أسماء كبيرة مثل آنا ابنة فرويد التي اكملت مسيرة والدها في التأثير على علم النفس، ووالتر ليبمان (1889-1974) Walter Lippmann في الفكر السياسي الذي كان مستشار عدد من الرؤساء الاميركيين وأرنست ديختر (Ernest Dichter (1907-1991 الذي اشتهر في علم التسويق والدعاية (مصادفة، كلهم من اليهود الاميركيين من اصول نمساوية).
تحتقر هذه المجموعة الانسان العادي المكون للرأي العام، ولا ترى في الديموقراطية إلا شعاراً مناسباً يعطي للناس وهم السيطرة بينما السيطرة الحقيقية تكون للنخبة التي تتحكم بالأمزجة والرأي العام. ففي كتابه Propaganda كتب برنايز يقول «إن الذين يتلاعبون بالآليات غير المرئية للمجتمع يمثلون الحكومة الخفية التي هي الحاكم الحقيقي للبلاد».
وبينما اعتبر برنايز الديموقراطية وسيلة مناسبة لأميركا لأنها تسمح لها بالتفوق كونها الأكثر قدرة على هندسة المزاج، كان ليبمان اكثر اخلاقية. ففي كتاباته، شكك بقدرة المواطن العادي على فهم التعقيدات اللازمة لحكم البلاد، وبالتالي فهو دعا علانية لتسليمها للنخب القادرة على «صنع المزاج» Manufacturing of consent على حد تعبيره. فجاهر باعتبار الرأي العام مرجعاً غير صالح للحكم لكونه سريع التأثر بالأحداث والتقلبات. واعتبر ان الرأي العام هو صناعة مباشرة لآليات نقل الحقائق حيث يصبح الصحافيون هم الصناع الحقيقيون لمزاج الجموع.
ويمكن فهم تأثير آراء ليبمان في السياسة الاميركية الحالية عبر سياسات «الديبلوماسية العامة» public diplomacy التي، حتى من حيث اسمها، لا تختلف كثيرا عن العلاقات العامة. وتسمح «الديبلوماسية العامة» لوزارة الخارجية الاميركية بصرف ميزانيات هائلة على إنشاء علاقات مع فاعليات غير حكومية في مختلف البلاد، لا سيما مع الصحافيين وكل من يمكن وصفهم بالنخبة المتحكمة بمزاج الرأي العام بهدف تحقيق اهداف السياسة الاميركية.
ولعل المرجع الفكري الاساسي لكل هذه الحركة هو سيغموند فرويد (1932-1856) مؤسس مدرسة التحليل النفسي psychoanalysis الذي يؤمن بأن الانسان خاضع بشكل كبير لقطاعاته الغرائزية الحيوانية التي تعيش في اللاوعي unconscious. وبحسب فرويد، فإن دوافع الانسان الحقيقية هي غرائزية وبسبب كونها غير مقبولة اجتماعياً، فإن الانسان يحتاج الى تغليفها بأشكال متسامية (Sublimation ).
اتقن برنايز الاستفادة من نظريات فرويد، فأدرك أن الطريقة المثلى للتحكم بمزاج الانسان هي عبر تحريك غرائزه ولكن مع تقديم الغلاف المتسامي الذي تحتاج اليه لتنطلق، ولتصبح مقبولة اجتماعياً. وهكذا حرك برنايز غريزة التحدي والسيطرة عند المرأة ورفعها الى شعار نبيل هو الحرية، ليحول السيجارة من رذيلة اجتماعية، الى «مشعل الحرية».لا يكمن الخداع فقط في استعمال الشعارات النبيلة (الحرية) لتسهيل تحريك الغرائز(التحدي)، بل في ان الهدف النهائي لهذا الخداع يرمي الى شيء مختلف تماما لا يدركه المخدوع (زيادة مبيعات السجائر). ففي غواتيمالا استمر فقراء هذا البلد يتذابحون لمدة 35 سنة، وكل فريق يدافع عن مجموعته صادقاً ومخلصاً لها، في حين أن الهدف الحقيقي لكل هذه اللعبة لم يكن إلا المحافظة على ارباح شركة «شيكيتا»، وليس شيئاً غير ذلك.
عندما تدب الفتن وتفيض الغرائز، قد يتحرك البعض لمصالحه وهو مدرك لما يجري، وهؤلاء هم قلة، بينما تتحرك الغالبية بغرائزها وتتغطى بالشعار النبيل، وقد يوجد فيها من هو صادق مع شعاره. على الطرفين، يتقاتل الناس، تحركهم احيانا الدوافع النبيلة ويؤججهم في معظم الأحيان الخوف ويقودهم الغضب. المشهد معقد، وعندما يتعقد المشهد، غالباً ما يدفع البسطاء الثمن. قد يؤمن البعض ان ما يحدث هو ثورة بينما يؤمن آخرون أنها مؤامرة، لكن التاريخ يقول لنا إن الأمر قد لا يعدو كونه إلا... حملة ناجحة للعلاقات العامة!


2/14/12

On the Leadership-Management in Politics discussion


In Politics, a decade is an eternity

- M. Porter in his article " The Competitive Advantage of Nations "

Can - and Should - Leadership and Management of Nations combined into one function ? should our politicians be our 'leaders' ??? Aren't the two roles (politician & leader) inherently opposed to each other, and how to expect a regular politician who gains a strictly time-limited position by spending all his time doing the 'small stuff' and managing appearances or by rising through another irrelevant ladder to be able to provide sustainable vision and thought leadership ... ? Assuming that vision and thought leadership are important components of building a better future - the stuff of leadership.

Voting in the United Nations

As much as the voting system in the security sounds unfair (with the - relatively - arbitrary VETO rights), the voting in the general assembly (as inconsequential and spectacle-only as it is) seems funnier to me ... the One-Man One-Vote when applied to countries becomes utterly ridiculous: How can a country with 1Billion+ people have the same voting power as a country of 100Thousand- people ?? Why should this country of 100K people have the same saying about the planet's future ?

The one-man-one-vote when applied to countries becomes the some-people-are-more-equal-than-others vote!

By the way, How on earth are these countries made in the first place !! some are based on ethnicity, but many don't have their own countries .. some are based on historic coincidence, and some are based on funny deals !!!

State Capitalism - Really ?

I was reading a complete file in the Economist last month that talks about 'State Capitalism'; and discusses in detail the advantages and flaws of the model; of course considering China / Russia / Brazil (in that order) as heroes of the model.

Of course China is engaged in State Capitalism; and many of its leading firms are owned by the state and that is clear in their ownership.. Similar for other countries in this 'axis of state-capitalism' .... Now the really interesting question - if we ponder the claims a bit - is: is liberal capitalism really liberal capitalism. Let's look at some of the evidence:
 - South Korea: the country's leading non-state firms (Samsung, LG, Hyundai, etc....) receive unlimited support from the state financially (even direct contribution to marketing spending) as well as in positioning in key negotiations with other countries... No one can argue that without the state's role in selecting and promoting these firms they would have survived and grown to their current size.
 - The United States: The large defense budgets, the support to Boeing, the contracts that get awarded hazily, as well as many many deals between firms and other countries that are brokered by the state
 - Why does the french president british/ turkish prime minister for example travel with an army of business men and heads of economic sectors and 'close deals' as they are on diplomatic trips ..
 - What about the huge amounts of money that can (and have been) be thrown at companies considered 'too big to fail' .... Isn't the state already effectively a stakeholder here? 

In the end ... the state in most/all these 'liberal-capitalism' countries is the first supporter of its business elite, and this begins to clarify things: The State is the support for the country's business elite and key companies in all cases of US / UK / France / China / Russia / etc ... ( granted with varying degrees) .. The only difference between them, is that - Ironically - in the Chinese case, it is more transparent as we know who the owner is of these companies (the state) and we know that he is acting in his own self interest ... with the other countries, everything becomes under the table !

6/4/11

Thoughts on China

Socialism / capitalism




"china needs more socialism, and Europe needs more capitalism", a

colleague commented touching on an important issue which is evident to

anyone visiting china these days.. Entrepreneurship, privatization,

liberalizing and opening up the economy are the hot words, and growth

seems to be the new one god..'and - as socialists and communists -

what will you do about the widening income gap ?' is a question that

would get no straight answer from an official in the highly privatized

and rich Zhejiang province as he continues his discussions of plans to

raise the GDP per capita astronomically in the next 5 year plan... We

r in the time of the 12th one I think. The professor comments 'he gave

u the answer... He said 'we r pragmatic''..



'probably worse here', commented two friends who work in the venture

capital industry as I expressed my surprise that the china and the US

might have similar income gaps and disparity between rich and poor

(gini index)



The state, planning, and knowing what is best




Can one person or group know what is - generally - best? This is what

central and ubiquitous planning poses as a fundamental question.. What

about shared decision? What about muting the voices of more

intelligent thinkers, or more informed ones, getting lost in the arena

of power and struggles?but, doesn't a group of coordinated and

powerful leaders have more access and potential to plan and implement

'harmoniously'? All that set aside, we can go up one more level and

ask the fundamental question: is it really important that 'what is

best' gets implemented rather that 'what most people want' , 'what a

group of intelligent people want' , ' what a group of powerful people

want' , or even 'what is simply the most suitable' ?



These are just samples of questions open at this level, far too

complex to be answered simplistically through ideological shortcuts

that demonstrate as a professor called it : 'just laziness'



Working more, working less, culture and economic conditions



So, is working more (or finding it acceptable to work more, and

sometimes in more difficult conditions) a matter of culture, economic

level, social and political demands..? Can we really say that a

certain work ethic is embedded deeper within a culture of collectivism

and respect, or is it simply the 'poorer economy' as a colleague

argued ( and I enthusiastically dismissed) ?



The food and the pork



What is the deal with so much pork, pork feet, pork ears, and pork

bellies? It was everywhere. In restaurants, hotels, storefronts,... I

even thought that there were pork body organs hiding under my bed at

the hotel awaiting the right moment ...



The language



Brilliant to know about a tonal language employing four different

tonalities for every character.. of course i couldn't hear the differences at first. Many possibilities and difficulty,

but more potential for working out the 'right brain' functions ..



Religion



Not much I can discuss here, except my surprise sometimes at the

'externalization' of religion in an eastern culture. The Tao , Lao tzu

and the tai chi are fundamental elements of the philosophical and

religious guiding framework whic predictably embraces many values and

norms perceived in the society

2/8/11

قبل أن تسرق الثورة

إلى روح هادي العلوي

في الفلسفة، يستخدم تعبير «المرموز الفارغ» empty signifier للدلالة على مفاهيم تستعمل بكثافة لكن لا محتوى ثابتاً لها، أي يمكن ملؤها بأيّ معنىً نريد. تعابير مثل «الحرّيّة» أو «الديموقراطيّة» هي أمثلة واضحة على المرموز الفارغ، لكنّ كلمة «الشعب» تبقى المثال الأبرز على الأسماء التي يمكن أن نعني بها ما نشاء، ويمكن أن نوظّفها في أيّ خطاب ولأيّة غاية. تساءل المفكّرون المحافظون، منذ أيّام الثورة الفرنسيّة، عن شرعيّة استعمال «الشعب» حجّةً لتشريع الثورات والأنظمة. «ما هو هذا الشعب؟ من يعرّفه ويحدّد مصالحه؟ هل رأيتم يوماً رجلاً يمشي في الشارع اسمه الشعب؟» تسائل إدموند بيرك منذ قرنين، ساخراً من مثاليات اليعاقبة الفرنسيين. وتخاف النخب الحاكمة من الشعب لكنّها تعشق كلمة «الشعب»، فبإمكانها أن تحكم الشعب باسم «الشعب» وأن تقمع الشعب باسم «الشعب»، بل وأن تقتل الشعب باسمه أيضاً.

واليوم في تونس ومصر، الشعب قام، حقّاً قام. والوصف الوحيد الممكن لما حصل في الأسابيع الماضية، هو أنّها ثورات شعبيّة، بكلّ ما للكلمة من معنى، وبما يشبه المثال الأكاديمي للتعبير. لكن ـــــ بناءً على ما أسلفناه ـــــ أن تكنّى ثورةُ ما باسم «الشعب» فهذا يعني أنّها ثورة معروضة علناً للسّرقة.

منذ الآن يلفت توني بلير إلى أنّ أغلب الشباب المتظاهر غير منضو في أيّة أحزاب، داعياً بوقاحة الى تسخير الموارد لتنظيمهم ـــــ على نهج توني بلير ـــــ كي لا يقعوا في يد «الإسلاميين». هكذا قال سيئ الذكر، الذي وصف محمّد حسني مبارك في المقابلة نفسها بأنّه «بالغ الشجاعة وهو قوّة للخير».

في العادة، تنسب جميع الثورات والانقلابات الى الشعب الذي لا يكون له علاقة بها: تتسلم نخبة ما الحكم وتخلع الحاكم السابق ثمّ تعزو انقلابها إلى «الجماهير» وإرادتها. المحزن في حالتنا اليوم هو أن يقوم الشعب فعلاً بثورة، لتعود وتسرقها النخب.



ثورة المهمّشين



بادئ ذي بدء، هنالك مجموعة من الأساسيات لا يمكن تجاهلها لدى مناقشة الثورات الحاصلة اليوم. أوّلاً، هناك الطابع الجديد والفريد والتجريبي لثورتي تونس ومصر، وما قد يلحقهما. ففي تاريخ العرب الحديث، أي منذ بدء عصر السياسات الجماهيريّة في بلادنا، لم نشهد نجاح ثورات شعبيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة. ما نسمّيه «ثورات» في العراق ومصر وسوريا، هي تورية لاستيلاء مجموعات أيديولوجية أو عسكريّة على الحكم وإطلاقها لعمليّة تغيير واسعة في المجتمع.

ثورات اليوم غير مسبوقة، وليست لدينا أمثلة تاريخيّة محلّيّة يمكن أن نقارنها بها. فعلينا إذاً أن نبدأ كلّ كلام عن ثورات تونس ومصر بالتواضع والاعتراف بحدود معرفتنا، وبأنّنا جميعاً لم نتنبّأ بما حصل ولا نملك، حتى هذه اللحظة، كلّ نواصي الأحداث وخلفيّاتها.

ثانياً، وهنا اللغز الأهمّ، هي ثورات عصيّة على التفسير من داخل قاموس الحداثة السياسيّة. لا تنطبق كلّ أدوات الحداثة ومصطلحاتها، من أحزاب ونخب وطبقات وتكتّلات مصالح، على انتفاضات الشعوب العربيّة على طغاتها. كان التعبير عن الاحتجاج من خارج البنى المؤسّسيّة التي يفترض بها أن تؤطّر الفعل السياسي في عصر الحداثة. أحزاب المعارضة، مثلها مثل ممثّلي السلطة، لم تكن أكثر من شاهد على هذه الانتفاضات، ثمّ انضمّت إليها التحاقاً بالشعب، لا قيادةً له.

غربة هذه الثورات عن الحداثة، بمفهومها التقليدي، تتّضح حين نحاول أن نستمع الى مطالب المحتجّين وشعاراتهم. أفراد الشعب الذين خاطروا بحياتهم ونزلوا الى الشوارع كاسرين حاجز الخوف، مقارعين جلاوزة السّلطان بلا وجل، هؤلاء لم يصرخوا «ديموقراطيّة وانتخابات»، ولم يرفعوا مطالب يمكن تصنيفها في خانة الديموقراطيّة الليبراليّة. كذلك هم أيضاً لم يردّدوا أنّ «الإسلام هو الحلّ» ولا استعملوا لغة أيديولوجيّة محدّدة. من يحاول أن يماهي بين هذه الانتفاضات والثورات الأميركيّة الملوّنة، أو حتى انتفاضات أوروبّا الشّرقيّة في التسعينيات، هو مزوّر يحاول تجيير صوت الناس مستخفّاً بنضالاتهم. وصم انتفاضات تونس ومصر بالليبراليّة لمجرّد أنّها طالبت بـ«الحرّيّة» هو كالادعاء بأنّها حركات ماركسيّة لأنّها تجهر بالعداء للاستغلال الاقتصادي.

على العكس، أظهرت هذه الانتفاضات، وخاصّة ثورة مصر، مفارقة مثيرة: بالرغم من عشرات من منظّمات «المجتمع المدني» التي موّلها الأميركيّون واستخباراتهم في مصر وغيرها، وبالرغم من مئات الملايين التي صرفت، وكلّ ذلك بهدف زرع مصطلحات الديموقراطيّة الليبراليّة في وعي المجتمع المصري، فإنّ المصريّين اليوم يثبتون أنّ الديموقراطيّة «الجفرسونيّة» لم تدخل الى معجمهم ـــــ بعد كلّ هذا العناء.

أعتقد أنّ تفسير هذه الظواهر يكمن في الطبيعة السوسيولوجيّة للثوّار، ويمكن وصفهم بالمهمّشين في المجتمع، أي من هم خارج النظام السياسي، أي النظام برمّته: بسلطته ومعارضته، برأسمالييه وفنّانيه، بصحفه وثقافته، إلخ. المهمّشون ليسوا الفقراء فحسب، هم من لا تقرأ عنهم في الثقافة السائدة ولا تخبّر قصصهم الأفلام وكتب التّاريخ. هم «الآخر» بالنسبة إلى أولاد الطبقة الوسطى، من يؤدّون الأعمال اليدويّة في اقتصاد الخدمات، من يخدموننا في المطاعم وينتهي ارتباطنا بهم مع تأدية الخدمة المأجورة. هم من لا صوت لهم في وسط النخبة وموجودون في كلّ مجتمع.

أما في بعض الدول العربيّة كمصر، فصنعت الأنظمة مجتمعات أغلبها من المهمّشين. سيدي بوزيد مثلاً هي أفقر ولايات تونس قاطبة: ريفيّة زراعيّة، يقلّ عدد سكّانها عن نصف المليون، وتقع في الغرب الداخلي ذي المناخ القاسي، حيث لا ماء ولا سياحة، بعيداً عن ولايات الساحل المحظيّة. سيدي بوزيد التي عانت أكثر من غيرها من تحوّلات الاقتصاد العالمي في العقود الأخيرة، سيدي بوزيد التي ولدت أجيال عربية وماتت من دون أن تسمع باسمها، سيدي بوزيد أصبحت مدخلنا الى العصور الجديدة.



اللقاحيّة والمشاعيّة



إن كان هنالك من فهم قضيّة المهمّشين في بلادنا وتبنّاها، فهو الفيلسوف والمؤرّخ العراقي هادي العلوي. كان هادي يدرس ثورات التاريخ الإسلامي من زاوية تختلف عند باقي المؤرّخين. كان يعارض إسقاط الانتفاضات الشعبيّة على الاصطفافات السياسيّة الرائجة في زمنها، بل كان يصرّ على أنّ عماد الثورة في الشارع هم المهمّشون اللقاحيّون، أي من لا ينتمي الى أحزاب خاصّة، بل من ينتفض على السلطة بما هي سلطة، على طغيانها وقهرها وإذلالها للناس، وكلّ سلطة هي بطبيعتها غاشمة وقهّارة. هكذا كان يعتقد هادي العلوي، وهكذا يؤمن المهمّشون. وبهذه الروحيّة، يسير اليوم الملايين في شوارع مصر منتفضين على حاكم تجبّر على الناس وحبس عنهم أموالهم.

بالنسبة إلى هادي العلوي، مفهوم اللقاحيّة أساسيّ لفهم الرفض الفطري للملك العضوض لدى جموع الناس. اللقاحيّة موروث جاهليّ، اختصّ به العرب الأوائل الذين كانوا دائمي الحذر من الوقوع تحت حكم «كسرى وقيصر»، وامتثلوا لمحمّد بوصفه نبيّاً لا ملكاً، وامتثلوا لخلفائه الراشدين لأنهم احترموا لقاحيّة الناس ولم يسيروا مسير الملوك. هكذا أرّخ هادي للّقاحيّة التي قمعها نشوء الملك الوراثي عند العرب وتجذّر الدولة المركزيّة، غير أنّها ظلّت حاضرة في ثقافة المهمّشين، من خلال ومضات وثورات استمرّت طوال عهود الدولتين، الأمويّة والعبّاسيّة.

اللقاحيّة إذاً، ليست انتصاراً لمذهب على مذهب في فنون السلطة، ولا هي ديموقراطيّة وفق التقليد الليبرالي، بل هي موقف أخلاقيّ ضدّ السلطة المركزية بذاتها، وضدّ مؤسّساتها المعقّدة، وضدّ تدخّلها الخانق في حياة الناس، وضدّ حبس حقوقهم وأموالهم.

اللقاحيّة عند العلوي ليست ليبراليّة، بل أكثر ديموقراطيّة منها. فلنتذكّر أنّ الديموقراطيّة الليبراليّة لا تعني حكم الشعب لنفسه، بل تعني «الانتقال السلمي للسلطة بين النخب»، أي الانتقال السلمي للسلطة من سعد الحريري إلى نجيب ميقاتي، أو من حسني مبارك إلى محمّد البرادعي.

في اللقاحيّة عامل فوضوي لا مجال لإنكاره، لا يرى يوتوبيا فاضلة في أيّ شكل من أشكال السلطة وينظر بعين الريبة لكلّ دولة مركزيّة. من الغريب أنّ أيّاً من المعلّقين العرب لم يلحظ الطّابع الفوضوي لثورات الشعب في تونس ومصر. حتى الصديق أسعد أبو خليل، الذي يهوى التنظير للفوضويّة، لم يلاحظ الملامح الفوضوية في الانتفاضات واللجان الشعبيّة وحكومات الشارع والتنظيم التلقائي الذي يحصل أمامنا في شوارع مصر ـــــ بعيداً عن مؤسّسات الدّولة والأحزاب وفي ممارسة جماهيريّة للديموقراطيّة المباشرة. أسعد لا يزال يبحث عن الفوضويّة في كتابات باكونين، فيما تتجلّى أسطع وأضخم فصولها أمام عينيه.



النيوليبراليّة تغتال الحداثة



في الفيلم الشهير «كوكب القرود»، يخال روّاد الفضاء أنفسهم عالقين على كوكب يشبه ماضياً مشوّهاً للأرض، حيث القرود تطوّرت وأسّست مجتمعاً متقدّماً، فيما البشر لا يزالون حيوانات لا تنطق. وفي اللقطة الأخيرة للفيلم، يكتشف المغامرون أنّهم حقيقةً يشهدون مستقبل الأرض، لا ماضيها، بعدما أفنت الإنسانيّة نفسها وأهلكت حضارتها.

قال لي المؤرّخ الأميركي بيتر غران يوماً جملة لا أنساها، تشابه الى حدّ ما سيناريو الفيلم الشهير. قال إنّ الغربيّين ينظرون الى بلاد الجنوب كمصر، على أنّها تحبو على درب الحداثة الرأسمالية، أي أنّها تمثّل، بمعنى مجازي، ماضيهم. «في الحقيقة»، يضيف بيتر غران، «حين أسير في شوارع القاهرة أشعر بأنّني أشهد مستقبل الرأسماليّة الغربيّة، لا تاريخها». أي رأسماليّة أفلتت من عقالها وهي تعيد تكوين المجتمع وتسليعه بلا رادع ـــــ رأسماليّة تعيش أيّامها الأخيرة.

من أراد فهم الثورات المصريّة والتونسيّة، لا يمكنه تجاهل التغييرات الهائلة التي طرأت على تلك المجتمعات في العقود الثلاثة الماضية. تغييرات عصفت بقسوة بحياة الملايين من أفرادها، وهو ما حصل غالباً تحت راية «الإصلاحات الاقتصادية». قال ليون تروتسكي يوماً ما معناه أنّ النماذج الرأسماليّة المتقدّمة (كوصفات الاقتصاد الليبرالي) تطبّق أكمل وأسرع في البلاد الآسيوية المستعمَرة منه في منشأ هذه النظريّات. ففي الغرب، ركّبت طبقات من المؤسّسات والكوابح لحماية الأفراد من تمادي الرّأسمالية، أمّا في مصر أو تونس، فقد تمكّنت الحكومات من قلب النظام الاقتصادي رأساً على عقب بلا مقاومة: سوق العمل وقوانينه، ونظم الملكيّة، والضمانات الاجتماعيّة، كلّها مؤسّسات دمّرت وأعيد تكوينها بسنوات قليلة.

حين درس دايفيد هارفي تأثير النيوليبراليّة على المجتمعات الغربيّة، منذ وثبتها في السبعينيات، نظر برعب الى عمليّة إعادة توزيع الدخل التي جرت في المجتمع، ناقلة الثروات من الطبقات الدنيا الى النخبة الرأسماليّة، فكانت الطبقة العاملة في أميركا وبريطانيا تمرّ في عقود من الأزمة وانخفاض الدخل، فيما كان الملّاكون والإداريّون الكبار ومديرو الأسواق الماليّة يعيشون جنّةً من النموّ والثراء الجنونيّين.

لو نظر هارفي الى بلاد النيل، لاكتشف أنّ الإحصاءات عن اختلال المداخيل في الغرب تبقى مزحةً أمام التطوّرات التي أحدثها النظام النيوليبرالي، في مصر مثلاً. انتقل المصريّون، في أقلّ من جيل، من عالم ترفع فيه قيم التكاتف الاجتماعي وتقدّم فيه ضمانات معيّنة للفقراء، الى عالم أشبه بغابة رأسماليّة يخاف فيها الفرد دائماً من الفقر والعوز، وتقفل أبواب الترقّي الاجتماعي على السواد الأعظم من الناس. لم يعد المجتمع محميّاً من تقلّبات السوق الدولي وخضاته: ترتفع أسعار النفط، فيهدّد ارتفاع أسعار الغذاء قطاعات كاملة من الشعب المصري بالجوع وسوء التغذية؛ تحرّر تجارة النسيج العالميّة فيختفي قطاع كامل من الاقتصاد التونسي وتدمّر حياة الملايين.

لا شكّ في أنّ هذا «التدمير الخلّاق» للمجتمعات العربيّة، في العقود الأخيرة، قد غرس بذرة الثورة والحنق لدى الشباب المنتفض اليوم. قدّم المفكّر الهنغاري الأصل كارل بولاني، نقداً غير ماركسيّ للرأسماليّة يلتقي في العديد من جوانبه مع فكرة هادي العلوي عن اللقاحيّة والمشاعيّة. وقد تكون رؤيا بولاني مدخلاً لتفسير الثورات الحاليّة وعلاقتها بالرأسماليّة.

فسّر بولاني ما سمّاه «الحركة المزدوجة»: كلّما تقدّمت الرأسماليّة في اجتياحها للمجتمع وازداد تسليع الأرض والعمل والنقد، ارتدّ المجتمع على السّلطة مجبراً إيّاها على كبح الرأسماليّة وتعزيز نفوذ الشعب على حساب السوق. الأرض، والعمل، والنقد، ثلاثة عناصر لا تستقيم فكرة «السوق الحرّة» من دون أن تسلّع وتحوّل الى موادّ يتاجر بها السوق، بعد فصلها عن المجتمع. عزل عناصر الحياة هذه عن مجتمعها، يستدعي لدى بولاني ردّاً يشابه ردّ اللقاحيّين على الملك العضوض الذي يهين قريحتهم ويسلبهم حرّياتهم الطبيعيّة.

لا يحمل الشعب المنتفض اليوم أيديولوجيا خلاصيّة تنبثق من تراث الحداثة. تجربة العرب مع الحداثة والإمبرياليّة، طوال القرنين الماضيين، شفتهم من تلك الأوهام. الثورة الحاليّة ليست حداثيّة بالقطع، وهي أيضاً لا تعادي الحداثة الغربيّة أو تحاول طرح يوتوبيا بديلة ـــــ كما فعلت الثورة الإسلاميّة في إيران. ثورة العرب اليوم تخرج من حطام الحداثة ومن خراب العالم القبيح الذي خلقته الحداثة لنا.



خاتمة



أنا أدافع عن لقاحيّة الثورة قبل أن تسرق. أدافع عن طابعها الشعبيّ والحرّ والرافض للسّلطة بذاتها قبل أن تقطف مجموعات نخبويّة الثورة ومنجزاتها، أو أن تؤتي المؤامرات الأميركيّة أكلها وتجهض الثّورة قبل أن تنتصر. علينا أن نكون متشائمين. حتّى الثورات الناجحة تظلم المهمّشين الذين ماتوا من أجلها وتتنكّر لهم. أتظنّون أنّ سيدي بوزيد ستستفيد حقّاً من النخبة التونسيّة (نسبة الى العاصمة تونس) التي ستتسلّم من بن علي بعد أن ينقشع الغبار؟ أسيكون النظام الجديد وفيّاً لأولئك المزارعين الشجعان الذين انتفضوا وصرخوا وماتوا دفاعاً عن حرّيتهم وحرّيّتنا؟ آمل أن تكون اللجان الشعبيّة التي يجري الحديث عنها في مصر مشروعاً جدّيّاً، وأن تستمرّ وتكتسب شرعيّة وسيادة لا يناقضها النظام القادم.

فيما نحن اليوم في قلب أتون الثورة، ويبدو جيلنا أخيراً على وشك إزاحة جيل الهزيمة الذي مكث على صدورنا طويلاً بأنظمته وثقافته وانهزاميّته وثرثرته، يبقى أن نقول إنّه لا مجال للتّنبّؤ بما سيحصل. الطريق الوحيد إلى معرفة المستقبل هو العمل باتّجاهه. ستبدو هذه الثورات لغزاً محيّراً للمحلّلين والأكاديميّين، إلّا أنّ أستاذي العارف هادي العلوي كان سيرى فيها أمراً أليفاً وقديماً في آن. كان سيرى طيفاً جميلاً فوق شوارع تونس والقاهرة. كان سيرى الوجه الباسم لسلمان الفارسي، والشّيخ الكيلاني، والإمام زيد.



* طالب دكتوراه علوم سياسيّة

في جامعة كاليفورنيا ــ بيركلي

1/29/11

Evaluation... تقييم

طبقت الأنظمة المهزوزة سياسات إقتصادية متشابهة: إنفتاح إقتصادي، بيئة صديقة للإستثمار ، خصخصة ، توصيات البنك الدولي ، إعتماد على السياحة ...... والنتيجة أيضا كانت متشابهة :


1- أرقام نمو إقتصادي مرتفعة أحيانا،

2- زيادة في مستويات الفقر وسوء توزيع الثروة والبطالة،

3- وإقتصادات معاقة غير منتجة وغير مبدعة قائمة على الإستهلاك والإرتهان

كإنك مفيش/ أحمد فؤاد نجم

كإنك مفيش/ أحمد فؤاد نجم

حلمت إني شعب..! حلمت إني شعب ومصلوب بطولي على أرض سمرا ودمي بينزف ومليان جروح وفوق صدري جمرة



أحمد فؤاد نجم


كإنك مفيش..

برغم إن صورك فـ كلّ الدواير

وكل المداخل وكل المحاور

ومَليا الشوارع على كلّ حيط..

مطنش علينا وعامل عبيط..

كأنك مفيش..

• • •

يا فرحة قلوبنا رئيسنا ظريف..

فُكهي..

إبن نكته ودمه خفيف

فـ عهدك سيادتك فَرَشنا الرصيف

وآخر مُنانا الغُموس والرغيف

وكل أمَّا تُخنُق ندوَّر..

مفيش!!

• • •

مسيِّب علينا عصابة حبايبك

فضايح وسرقة ونهب بسبايبك

ما بين حزب نجلك.. وهانم جلالتك

وجيش الغوازي إللَّي داير يجاملك

وناملك وقاملك.. وحارسك وأمنك

شبعنا مهانه.. شبعنا لطيش..!

وأنت.. مفيش!!

• • •

باعونا فـ حضورك..

ببركة عِبـيدك وغالي وسرورك

باعوا الأراضي.. وكل المصانع

وباعوا البنوك..

وقدَّام عِينك.. صوتنا إتـنبح..

ننادي عليك..

إلحق يا ريس: ده باعوا الحديد!

وأنت منشِّف دماغك عنيد!

.. كأنك مفيش!!

• • •

دوشتوا دماغنا ”بجمال” طلعتك

ومن يومها وإحنا عَبـيد حضرتك

ما تزعلش إني مواطن أبيح

ورافض كلابك فـ شعبك تطيح

فسادهم يا ريِّس واضح.. صريح

قوم بينا صلّح وفتَّش.. وثور

ح نكتب تاريخك ياريِّس بنور

مش تبقى عايش كأنـَّك مفيش!!

• • •

ورحمة أبوك.. ما دام أنت قاعد

عيب لمَّا عُصبة نَـوََر يسحبُوك

م تُقبض عليهم.. م تقطع إيديهم..

م تعمل عليهم يا ريِّس شاويش

بدل م انت ساكت وقاعد مفيش!!

• • •

يا ريس عليّ الطلاق تعبانين!

يا ريس عليّ الحرام كفرانين!

صبرنا سنين..

سيادتك مسلطن

وشعبك وناسك بتاكل مسرطن

وتشرب مجاري وميت سم هاري..

ومش دريانين!

ما تنهض يا ريس تلم الديابه؟!

ده شعبك غلابه..

ومليان طيابه..

وهوَّ الشفاعة ف يوم الحساب

وهما البطانة الحُثاله الكلاب

ما يملاش عنيهم غير التراب

وليهم ضوافر

وميت ألف ناب

وواقفين لشعبك ورا كل باب

لإمتى ح تسكت وليه الغياب؟

ده ياما ممالك طواها التراب

حياتنا يا ريس تعب فوق عذاب

يا ريس ”شريفك” ماهوَّاش شريف!

”نظيفك” يا ريس ماهوَّاش نظيف!

وحتى ”حبيبك” ماهواش حبـيب!

وأنا غصب عني.. خلاص استويت..

بـ غـُلبي إنحنيت..

وطلعان عنيا.. وصعبان عليا

بحسبة بسيطة ومن غير خريطه..

وكونك مفيش.. لقيت متساويش

ومش فارقه أعيش..

نويت أشتكيك للِّي فوقي وفوقك

وأصلي الفرايض..عسى يفـُك طُوقـك

قالولي إللي يسجد عدو النظام!

حاولت أحكي حالي..!

قالولي الحكاوي نميمة وحرام!

فكرت أكتب..

لقيتكم سيادتك منعتوا الكلام!

فقررت أحلم..

هاحلم سيادتك وأفُك اللِّجام

ولو مش هيعجب سيادتك يا فندم

وصِّي العساكر.. تاخُدني أمَّا انام!

• • •

حلمت إني شعب..!

حلمت إني شعب ومصلوب بطولي

على أرض سمرا

ودمي بينزف ومليان جروح

وفوق صدري جمرة

يميني مربّط على أرض طابا

شمالي ممسمر فـ “أولاد علي”

ورجلي على جزع نخلة فـ “حلايب”

ومرتاح براسي على حِجْر مصر

وشوفتك ياريس.. كأنك ولي..

كأنك نبي..

فـ إيدك عصاية وليك معجزات

وانا فـ جنَّه خضره.. وتحتي جداول..

ومن فوقي نور.. وريحة بخور..

همست ف ودانك بآخر وصيّة:

إنسى إللي فاتك..

هننسى الأسية..!

أمانه عليك..

حُط الوطن جُوَّه نِنِّي عينيك

كرامة عيالنا أمانة ف إيديك

بحق إللي بينّا يا ريِّس وبـينك

وحَق اليَمِين و”الكتاب” في يمينك

بحق الشهيد إللي رافع جبينك

وجيش إنتصارك في يوم العبور

وجيل حُر طالع.. وعدته بدور

لملم عيالك.. وجمَّع فـ مالك

واسحب ”جمالك” وسيبنا وغور

1/20/11

من كتابات الأجساد المحترقة

من كتابات الأجساد المحترقة

جان عزيز

لم يحدث أن مات جسد محترق كجسد محمد بوعزيزي، ولم يحدث أن خسر، ولم يحدث أن سكت. بائع الخضر التونسي المقهور كتب بلغة عربته البسيطة ورائحة الياسمين الملتصق طوقاً برجليه المتماهيتين مع عجلات رزقه. وكتب لأمّه تحديداً. لأنّ الجائع إلى نتاج أرضه والعائش منه، يدرك في أحشائه أن الأرض أمّ، والوطن أمّ، والأحشاء من ذكر الأمّ... فحين يكتب إليها، يستحضر كل ذلك، وتحضر في أحشائه المندلعة شعلة ترسم الطريق.

قبل محمد باثنين وأربعين عاماً، كان جسد يان بالاش يسقط مثل مذنّب في براغ. كأن التاريخ يهوى مصادفات الأيام: اشتعل قلب بالاش في ساحة فيشسلاس، شغفاً ببلاده، في 16 كانون الثاني 1969، لينطفئ لاحقاً في مستشفى جامعة سان شارل، في مثل يوم أمس بالذات، في 19 من الشهر نفسه.

الممرضة التي رافقت يان أيام نزعه الثلاثة، نقلت عنه أنه لم يحوّل نفسه شعلة احتجاجاً على الاحتلال السوفياتي لأرضه وحسب، بل الأهم رفضاً لحالة اليأس التي تسلّلت إلى قلوب مواطنيه وأجسادهم. فربيع براغ كان قد انتهى تحت سحل دبابات «الأخ الأكبر» في آب من العام المنصرم. لكن يان انتظر نحو خمسة أشهر. ظل يراهن على ثورة أهله وانتفاضة الأرض. نقلت الممرضة عنه أن ما أضرم النار فيه ليس الجنازير الغريبة، بل الوجوه الصامتة، والعيون الفارغة، والسحنات الواجمة... «تلك التي حين تنظر إليها «تفهم» أنّ كل واحد منهم قد «فهم»...

ولم ينطفئ جسد بالاش. ظلت الأجهزة البوليسية السوفياتية والتشيكية تلاحق جثمانه ورفاته طيلة أعوام. كأنه في موته قادر على إحياء كل دفين. وكأن المطلوب القبض عليه هامداً بعد العجز عن وقف حركته حيّاً. أخرجوا جثته من المدافن، بعد أربعة أعوام ونيّف على موته. وفي تشرين الأول 1973 أحرقوا الجثة، وسلّموا رمادها إلى والدته، وحظروا عليها عرض الكأس التي حفظت الرماد...

ولم يسكت جسد بالاش... في الذكرى العشرين لولادته نوراً، تحوّل ناراً في أرض براغ. فبين 15 كانون الثاني 1989 و21 منه، أعلنت الحركة الديموقراطية في تشيكوسلوفاكيا تنظيمها «أسبوع بالاش». وكما يقول جاك بريل، «يبدو أن هناك أرضاً محروقة تعطي من القمح أكثر من أفضل نيسان». وكان كانون تلك الأرض، وكان بالاش حرقها ووجعها، وحرقتها والجوع... حتى كتب التاريخ أن «أسبوع بالاش» كان البداية الإرهاصية لسقوط جدار برلين، بعد نحو عشرة أشهر... بعد عشرين عاماً كاملة، أزهر ربيع براغ، من مسام بالاش...

في أدب أوروبا الشرقية وفنّها وموسيقاها ومسرحها وكل تعبيراتها الجمالية، يحضر بالاش مثل «إيتوس» بطولي إلهامي، تُغنّى له الأناشيد، عن «الحياة في مكان آخر»، و«أداء من أجل الحرية»، وتكتب له قصائد «سأحترق ألف مرة، بعدها سأنتصر»...

بعد شهر ونيّف على ملحمة بالاش، بدت الطريق منوّرة لرفيقه يان زاجيتش. في 25 شباط 1969 أضاء يان الثاني جسده من أجل وطنه والناس. قبل أن يدخل دائرة النور، كتب لعائلته المؤلفة من والدين وأخ وأخت، الكلمات الآتية: «حين تقرأون هذه الرسالة، سأكون ميتاً أو قريباً من الموت. أُدرك الضربة القاسية التي سيسدّدها عملي إليكم. لكن لا تغضبوا مني. فللأسف لسنا وحدنا في هذا العالم. وأنا لا أقوم بذلك لأنني تعبت من الحياة، بل على العكس، لأنني أعشقها جداً. على أمل أن يجعلها موتي أفضل. فأنا أعرف ثمن الحياة، وأعرف أنها الأغلى، ولذلك أردت الأكثر لكم... فعليّ أن أدفع الكثير. لا تقبلوا بعدي أيّ ظلم، مهما كان شكله، هذا عهد موتي عليكم... سامحوني وأبلغوا سلامي إلى الأصدقاء والنهر والغابة...».

قبل يان الأول والثاني، لم يعرف أحد أنّ بولونيّاً اسمه ريتشارد سيفيتش أشعل نفسه أمام مئة ألف مشاهد في أحد الملاعب البولونية، في 8 أيلول 1968، من أجل ربيع براغ أيضاً. نجح نظام وارسو في التعتيم على الخبر، وإتلاف الصور، والاكتفاء بسطرين عن انتحار مختل عقلياً... بعد 25 عاماً على موته، دخل ريتشارد تاريخ بلاده عبر فيلم أرَّخ قصته ورحيله على طريق الضوء.

وبعد الثنائي «يان» مشى الدرب نفسه إيفان بلوتشيك في 4 نيسان 1969. قبل أن يتّقد أفلت من بين أصابعه وريقة صغيرة كتب عليها: «الحقيقة ثورية، هكذا كتب أنطونيو غرامشي، وأضاف: من أجل وجه بشري، لا أطيق هؤلاء الذين يقفون بلا أحاسيس»...

مسيرة أجساد الضوء هرباً من الظلم، أو قهراً للظلمة، توسّعت في ذلك الزمان، فعرفت أسماءً مثل روماس كالانتا في ليتوانيا في 15 أيار 1972، وأوليكسا هيرنيك في أوكرانيا في 21 كانون الثاني 1978، قبل أن تخطّ بقعة من ضوئها على سواد الأولمب، آتية من صوب إيطاليا. هناك، في جنوى، اتّقد كوستاس جيوغاكيس في 19 أيلول 1970 لينير لأبناء أرسطو درب الديموقراطية. وقف مثل الشعلة صارخاً: «لتحيَ اليونان حرّة»، «ليسقط الطغاة»، حتى انطفأ ولم يتوقّف الصوت.

في رسالة تركها لوالده، كتب كوستاس: «والدي العزيز، اغفر لي ما قمت به، بلا بكاء. فأنا لست بطلاً. أنا مجرد إنسان، مثل كل الناس، أكثر خوفاً ربما. قبِّل أرضنا عنّي. فبعد أعوام ثلاثة من العنف، لم أعد أتحمّل المعاناة... فأنا لا يمكنني أن أفكّر ولا أن أتصرّف، إلا كفرد حرّ... أرضنا التي شهدت ولادة الحرية ستذهب بالطغاة إلى العدم».

لم يحدث أن انطفأ أيّ جسد محترق عبر تاريخ المظالم. ولم يحدث أن سكت صوت صارخ من قلب النار. لا بل يكرّس التاريخ ثابتة أن تلك الشعلة تنتهي دوماً بالنصر، ولا يكون الاحتراق حتى التكلّس إلا مصير الجثث المتحركة، والأحياء المحنطين، والموتى أصلاً، الذين تفرض الحياة موتهم.

تبقى مفارقة أخيرة: قبل عقود، كانت الأجساد المتّقدة تشرق غالباً من عواصم تئن تحت وطأة موسكو الحمراء. اليوم باتت تبزغ من أرض تستجير بواشنطن، حتى استجرار الجور منها. كأنّ جدليّة الحرية والظلم لا بوصلة لها في الأرض إلا قبلة القلب.

1/14/11

أولاد يهوذا: موجز من تاريخ الخيانة

أولاد يهوذا: موجز من تاريخ الخيانة




الخيانة ليست ظاهرة جديدة. فما شهدته الساحة اللبنانية في السنتين الماضيتين، ومصر أخيراً، من خيانة مواطنين وتعاملهم مع العدو الإسرائيلي، يغوص في التاريخ القديم، العربي وغيره. ومع أنّ يهوذا، الذي باع المسيح مقابل الفضة، يعدّ أشهر خائن في التاريخ، فإنّ للعرب حصتهم الكبيرة. ابن العلقمي، وشاور، وامرؤ القيس وأبو رغال وغيرهم، باعوا قومهم، وتعاونوا مع أعدائهم، كلّ لأسبابه. وللخيانة أهمية دفعت الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، إلى تخصيص قسم من ديوانه «الكوميديا الإلهية»، للخونة



سيف دعنا (الأخبار العدد ١٣١٣ الخميس ١٣ كانون الثاني ٢٠١١)

في أعقاب إعلان كولن باول، الجمهوري الانتماء، الذي خدم وزيرَ خارجية في حكومة بوش الصغير، تأييده للمرشح الديموقراطي للرئاسة الأميركية، باراك أوباما، في تشرين الأول 2008، نشر رسام الكاريكاتور غوردون كامبل رسماً لبنيديكت أرنولد بوجه أسود، مع التعليق «بنيديكت باول، مناضل للعرق»، متهماً باول، بالتالي، بارتكاب عمل خيانة، من الطراز الأول. ربما كان هذا الرسم لافتاً، لأسباب كثيرة تتعلق بالعلاقات العرقية أو العنصرية والتمييز في أميركا. وربما يكون لافتاً أيضاً، لكونه يستمد منطقه من تراث قانوني إنكليزي قديم، استخدم لقمع أيّ شكل من المعارضة أو النقد للملكية المطلقة، بتخوينه التعسفي حتى للأفكار والكلمات، كما يحصل اليوم في بلاد «قانون الوطنية» (انظر: ريبيكا ليمن، الخيانة بالكلمات). لكنّه كان مؤشراً، إن لم يكن تأكيداً جديداً، على أنّ بنيديكت آرنولد هو، بلا منازع، دلالة الخيانة العظمى، والخائن الأول في التاريخ الأميركي.

اللافت في قصة وشخصية بنيديكت آرنولد، الذي قد يكون أحد أسباب اعتباره رمزاً متميّزاً للخيانة، ليس فقط أنّه خان شعبه، بل لكونه انتقل الى موقع الخيانة الكبرى من موقع البطولة المتميزة، أو لكونه استغل موقعه القيادي في التآمر على أبناء أمته. فآرنولد هذا، كان أحد أبطال وقادة الثورة الأميركية، أُصيب في معاركها ضد الجيش الإنكليزي، وكان قريباً من قائدها جورج واشنطن. لكنّه تآمر لاحقاً على الثورة ذاتها التي ضحى من أجلها، وانضمّ إلى الجيش البريطاني العدو، وانخرط في صفوفه في 1779، ومن ثم قاد الهجوم على مواقع رفاقه السابقين بنفسه.

للكثير من البلدان بنيديكت آرنولد الخاص بها، أي البطل القومي أو الثائر الذي تحوّل إلى خائن من الطراز الأول. فقبل أن يتحالف فيليب بيتان مع الاحتلال النازي لفرنسا، مثلاً، ويصبح زعيم حكومة فيشي، التي نصّبتها النازية الألمانية، وينفذ سياستها أثناء الحرب العالمية الثانية، كان أحد أهم أبطال فرنسا في الحرب العالمية الأولى. خيانته التي أفضت إلى الحكم عليه بالإعدام، الذي خُفف لاحقاً إلى السجن مدى الحياة فتوفي في 1951، حوّلت اسمه أساساً إلى اشتقاق مفهوم «البيتانية»، الذي دخل القاموس السياسي والشعبي الفرنسي (البيتانية هي السياسة الناتجة ممّا سمّاه ألان باديو، تحالف الحرب والخوف. انظر: ألان باديو، الفرضية الشيوعية، نيو لفت ريفيو، عدد 49، 2008). هناك أيضاً «البيتانية الجديدة»، التي تصف وتفسر العنصرية الساركوزية، وحتى البرلسكونية، في التعامل مع المهاجرين والفقراء.

وفي التاريخ العربي، يحظى ابن العلقمي، وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي يؤرخ البعض لخيانته وتآمره مع التتار وتسهيل دخولهم لبغداد وخرابها، برمزية متميزة حين يجري الإشارة إلى الخيانة. وهناك أيضاً شاور، وزير الخليفة الفاطمي العاضد في مصر، الذي لم يكتف بمراسلة الصليبيين والتآمر معهم، بل والقتال الى جانبهم ضد أبناء أمته ومشاركتهم في حصار الاسكندرية (وهذا قبل مشاركة حاكم مصر الحالي للكيان الصهيوني في حصار غزة بحوالى ثمانمئة وخمسين عاماً) .

لكن قد تكون قصة امرئ القيس، الذي لم يتوانَ في طلب المساعدة من الروم لاسترداد ملك أبيه، ذات رمزية خاصة أيضاً في حاضر عربي، يستقوي فيه البعض بروم عصرنا. فبرغم عبقريته الشعرية، التي ربما لم يضاهِه فيها شاعر آخر، نقل عن الرسول محمد قوله في امرئ القيس، إنّه «صاحب لواء الشعراء في النار». كذلك رآه وحاوره ابن القارح مع شعراء آخرين شاهدهم في جهنم، وفق ما تخيل أبو العلاء المعري في «رسالة الغفران». وحتى في نقد محمود درويش «المجازي» لاتفاقية أوسلو، كما وصفه سنان أنطون، حضرت فعلة امرئ القيس الشنيعة برمزيتها (انظر: سنان أنطون، نقد محمود درويش المجازي لأوسلو، مجلة الدراسات الفلسطينية، شتاء 2002). وفي قصيدته «خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس» في مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيداً» يقول درويش:

لم يقل أحد لامرئ القيس: ماذا صنعت

بنا وبنفسك؟، فاذهب على درب

قيصر، خلف دخان يطل من

الوقت أسود. واذهب على درب

قيصر، وحدك، وحدك، وحدك

واترك لنا، ههنا، لغتك!

قد يكون درويش، مثل الكثيرين من العرب، عشق شعر امرئ القيس (مَن مِن العرب لا يحفظ عن ظهر قلب مطلع معلّقته على الأقل، أو مقولته المأثورة حين علم بمقتل أبيه «اليوم خمر، وغداً أمر»). وقد يكون تأثر به فعلاً، لكن هذا لم ولا يغفر له فعلته. وربما كان درويش يفكر في ذلك «الملك الضليل»، الاسم الذي أطلقه العرب على امرئ القيس، حين كتب في مطلع التسعينيات عن «ملك الاحتضار» الذي يطيل التفاوض، يسلم مفاتيح القلعة، ويتلو معاهدة الصلح، في قصيدته «للحقيقة وجهان» في مجموعة «أحد عشر كوكباً». وربما كان درويش يفكر في شخص آخر لم يستطع ذكره مباشرة، لسطوته، حين قال لامرئ القيس «ماذا صنعت بنا وبنفسك»، و«اذهب على درب قيصر وحدك»، فالحاضر يمثّل ويؤسس رؤيتنا للتاريخ وروايته.

التاريخ العربي مليء بما ينبذ الخيانة بشدّة، بدءاً بأبي رغال، الدليل العربي للغزو الحبشي لمكة عام 570 ميلادية. فأبو رغال هذا، أصبح رمز الشيطان في الثقافة العربية، فرجم العرب قبره قبل الإسلام وبعده ولا يزالون، وضربوا فيه الأمثال. وذكره أشهر شعراء الهجاء، كما فعل جرير بتشبيه الفرزدق به في الضديات، وأحياه مجدداً، ليلعنه وأمثاله طبعاً، عميد الأسرى المحرر سمير قنطار في رسالته الشهيرة من المعتقل الصهيوني في آذار 2006 (يحكى أيضاً أن ما يرجمه ملايين الحجاج المسلمين في العاشر من ذي الحجة من كلّ عام، أهم أيام التقويم العربي، ولثلاثة أيام متتالية، في أحد أركان الحج ويعدّ رجماً لإبليس، هو في الحقيقة رجم الموقع المفترض لقبر هذا الفاجر، عملاً بتقليد عربي سبق الإسلام).

كذلك يجب ألّا ننسى حادثة «أبي لبابة» الشهيرة، وقصته مع بني قريظة، التي نزلت فيها الآية الكريمة التي تنهى عن الخيانة (الأنفال:27). كذلك، ما ورد عن الرسول الكريم في استعاذاته «اللهمّ إني أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنّها بئس البطانة»، وقوله «يُطبع المؤمن على الخلال كلّها إلا الخيانة والكذب».

الأسماء التي دخلت وتدخل تاريخ الشعوب، وأحياناً تاريخ الإنسانية جمعاء في بعض الحالات كرموز قبيحة للخيانة، لم تكن مجرد حالات تآمر مع العدو وخيانة لبني الجلدة فقط، بل عادةً ما تكون هذه الشخصيات قد انتقلت من موقع الى موقع آخر مضاد، وفي الأغلب من موقع الثورة والتغيير والقيادة الى موقع الخيانة، أو أنّها استغلت موقعها المتنفّذ لدى شعبها، لخيانته والتآمر عليه. أشهر هذه النماذج، رغم أنّه ليس أولها بالتأكيد، كان يهوذا الاسخريوطي، الذي خان معلمه، السيد المسيح، وانتقل الى الموقع المضاد. حتى إنّ أصل كلمة خائن بالإنكليزية (تريتور) مأخوذة من الأصل اللاتيني (تراديتوريم ـــــ الاسم تراديتور) التي تعني تسليم شيء ما، مثل تسليم شخص ما أو معلومات. وهي دلالة على فَعلة هذا الشقي، الذي سلم السيد المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، وهو ما يفسر استخدام العديد من المعاجم اسمه كأحد مرادفات كلمة خائن. ليس هناك لعنة أكبر من أن يكون اسم شخص ما هو الأساس الذي تشتق منه كلمة الخيانة ذاتها، لكن عبقرية الشعوب التي يخونها بعض قادتها، أبدعت في تحويل اسم من يخونها الى نعت قبيح الدلالة، وأحياناً اشتقاق مفهوم ذي دلالات بشعة من الاسم كوسيلة للعقاب والتوبيخ الأبدي. فقرضاي، مثلاً، أصبح مفهوماً سياسياً، لا اسماً، مثل الكثير من الأسماء التي أصبحت دلالات سياسية قبيحة. فيكفي أن يوصف شخص ما بأنّه «قرضاي بلاده»، حتى يتلطّخ اسمه عند شعبه. وحتى بعض الألقاب مثل كلمة «شاه» لم تعد تدل على معناها الأصلي (ملك)، بقدر ما أصبحت تعني طاغية وتابعاً لأميركا. وهذه لعنة عبّر عنها بإبداع الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدته «آه يا خي» في ملك مصر آنذاك:

«كنا والمظلوم إذا هاجم جريء

كنا لو كان الخميني عمنا

والمعارضة يد واحدة عندنا

دسنا شاهنا وأمريكانه بنعلنا».

لا تحتل خيانة يهوذا للسيد المسيح المرتبة الأولى بين كل الخيانات فقط. لقد أصبح هذا اللعين، في المخيلة والثقافة الإنسانية، مثل «الدال العائم» (حربائياً متلونناً، كما استخدم المفكر منير العكش هذا المفهوم)، يرمز لا لخيانته للسيد المسيح فقط، بل لكل، وأي من حالات الخيانة الكبرى كالتنازل عن الوطن أو خيانة الشعب وأبناء الجلدة. ربما لهذا السبب اختار دانتي اليغييري، صاحب «الكوميديا الإلهية»، أن يطلق اسم هذا الرجيم على الحلقة الرابعة والأخيرة (جوديكا)، والأسوأ بالتأكيد بين كل الحلقات، من الدائرة التاسعة والأخيرة، والأسوأ أيضاً بين كل الدوائر، من القسم السفلي للجحيم، التي خصصها مسكناً أبدياً للخونة.

وليس أدل على بشاعة اقتراف فعل الخيانة بحق أبناء الجلدة، من تراتبية دانتي لسكان الجحيم، كما جاء في «الكوميديا الإلهية». فهو لم يضعهم في أسفل دائرة فقط، بل حتى فضل عليهم أسوأ «القوادين» الذين منهم من باع جسد أخته، وجعل بينهم مسافة وفصل بينهم (أسكنهم الحلقة الأولى من الدائرة الثامنة، حيث يقبع فنيديكو كاتشانيميكو، الذي استخدم جسد شقيقته جيسوبلا لتحقيق أهداف سياسية). هناك كذلك في الدائرة التاسعة والأخيرة ذاتها، وفي حلقة أخرى تحمل اسم خائن آخر أيضاً، يقبع أنتينور الطروادي، الذي تآمر مع اليونان ضد بني جلدته وأهله في طروادة، وفتح للأغراب الأعداء باب المدينة المحصنة، وكان سبباً في سقوطها. وبرغم أنّ هوميروس، في «الألياذة»، وشكسبير، في «ترويلس وكريسيدا»، لم يشيرا الى خيانته بوضوح، فإنّ إدانة دانتي له ستلطخ اسمه وتلحق به العار إلى الأبد.

وفي أنتينورا، الحلقة الثانية في الدائرة التاسعة من الجحيم، التي سماها دانتي باسم أنتينور، وهي حلقة من يمكن تسميتهم بلغة عصرنا القادة الخونة، يقبع أيضاً أوغولينو، الشهير بأكل لحوم أبنائه. أوغولينو هذا، مثل الشقي الطروادي أنتينور، خان مدينته بيزا بتسليم قلاعها لعدوتها فلورنسا. هناك أيضاً، في الدائرة نفسها، يقبع بروتوس، الذي يشبه الى حد بعيد يهوذا، بفعلته وخيانته لقائده يوليوس قيصر. سيحفر شكسبير لاحقاً هذه الخيانة في الوعي الإنساني من خلال عمله «يوليوس قيصر»، لتصبح عبارته «حتى أنت يا بروتوس»، دلالة إلى الخيانة العظمى وقريبة كثيراً في رمزيتها من قبلة يهوذا للسيد المسيح. قبلة الموت، التي يذكرها شكسبير، كدلالة للخيانة أيضاً في «هنري السادس».

الدائرة التاسعة والأسوأ في الجحيم بحلقاتها الأربع، التي تحمل كلّ منها اسم خائن كدلالة على أنواع الخيانة الأربعة وموقع كلّ منها في الدائرة الأسوأ من جهنم، حسب تصنيف دانتي، تعج بالخونة. الطريف أنّ بعض من ذكرهم دانتي، حين كتب «الكوميديا» حوالى عام 1300 ميلادية، وشاهد أشباحهم في الجحيم، كانوا لا يزالون على قيد الحياة. وعاش بعضهم حتى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، عقب روايته لمسلسل عذابهم في جهنم (يذكر دانتي، مثلاً، الأخ البريجو، الذي خان ضيوفه وأقرباءه وقتلهم، وكانت الإشارة طلبه للفاكهة بعد العشاء، فأصبح مصطلح «فاكهة الأخ البريجو» أو «فاكهة الشر» دلالة للخيانة أيضاً)، لكن أرواحهم، كما قال، تذهب الى الجحيم فور خيانتهم، رغم كونهم أحياء، ليبدأ عذاب الروح مع بدء الخيانة، فيما تتلبس الشياطين أجسادهم الحية الفارغة من الروح.

هناك في كلّ اللغات وكلّ الثقافات وكلّ أشكال التعبير، إجماع على بشاعة الخيانة وقبحها، واتفاق على لعنة الخونة. وهذه اللعنة، كما يبدو من كتب التاريخ والأدب والفن والفولكلور، تلاحق الخونة بكلّ اللغات، وفي كلّ الثقافات وبكلّ الأشكال الأدبية والتعبيرية، وتدوم ما دامت اللغة والثقافة والشكل التعبيري. وغالباً ما يكون متفهماً تماماً، في هذه التعبيرات، شكل نهايتهم. نهاية، تكون أحياناً بعضاً من عقوبة مستحقة، وإن كانت مقززة، كعقوبة أوغولينو الذي قضى آخر أيامه في السجن مع أبنائه جائعاً واضطر، حسب رواية دانتي، إلى أكل لحمهم. ربما أراد دانتي أن يشبّه من يخون شعبه بمن يأكل لحم أبنائه، أو أراد أن يزيل أي فارق بين من يخون شعبه ومن يأكل لحم أبنائه، الفعل الذي لا يمكن تخيله أو تخيل ما هو أبشع منه أبداً. بعض من انتقاهم دانتي ليضمهم إلى ملحمته الشعرية، لتلاحقهم اللعنة ما دام هناك من يقرأ شعراً على وجه هذه البسيطة، وأسكنهم الدائرة التاسعة، دخلوا التاريخ كرمز فريد للانحطاط. فأصبح هؤلاء، لاحقاً، مادة للتحقير في الأعمال الأدبية، والفنية، والتاريخية، كأنّه إصرار من التاريخ، على ضرورة استمرار عقاب هؤلاء الخونة والاستمرار في توبيخهم إلى الأبد. هكذا فعل شكسبير ببروتوس لاحقاً، لتحل عليه اللعنة مع كل قراءة أو أداء لـ«يوليوس قيصر»، بأي لغة وأي رؤية أو شكل وفي أي زمان أو مكان.

في «دانتي العادل»، يقول الشاعر الإيطالي أونغاريتي «إنّ هذا العمل (الكوميديا الإلهية) هو تعبير شاعر عن اعتقاده القوي بأنّ عدالة معينة تظل تفرض نفسها، وأنّ تسامياً أو خلاصاً، لا يبدو ممكناً، من دون أن يتلقى كل امرئ جزاء فعله، ثواباً كان ذلك أو عقاباً» (انظر كاظم جهاد: الأنشودات الثماني الأولى، الكرمل عدد 70 ـــــ 71، 2002). ربما لهذا السبب يقول دانتي في الأنشودة الثامنة من الجحيم، كما ترجمها الشاعر كاظم جهاد:

«كم من أناس يحسبون أنفسهم هناك ملوكاً جبارين

ويكونون هنا كالخنازير في الزبل

جالبين لأنفسهم أشنع الازدراء».

ويدلل على قباحة الخيانة أيضاً، وصف دانتي في «الجحيم»، لعقاب الخونة الشنيع والأبدي. ففيما يشارك يهوذا، مثلاً، بروتوس وكاسيوس العقاب (يلتهم أجسادهم وحش شيطاني بثلاثة رؤوس)، تظل عقوبتة مميزة عنهم. فالشيطان يلتهم رأسه أولاً، لا جسده، فيما يجري في الوقت ذاته سلخ الجلد عن جسده (فكرة رسم ويليام بليك للشيطان ذي الرؤوس الثلاثة مستوحاة من جحيم دانتي). وبلاغة الوصف في العذاب ربما تكون أكثر ما تكون دلالة، ليس على عقوبة مستحقة وجزاء عادل، بقدر ما تؤشر إلى قباحة الفعل أيضاً. وفي التاريخ العربي، ليس هناك ما هو أكثر بلاغة من وصف جهنم وقباحة الفعل (الظلم في هذه الحالة) مما ورد في سورة الكهف (الآية 29) في القرآن. ربما لهذا السبب افتتح «حزب الله» الرسالة المفتوحة عام 1985 بهذه الآية: «أنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا».

ماذا لو كان بمقدور أبي العلاء المعري أن يعيد كتابة «رسالة الغفران» في أيامنا، أو كان بمقدور دانتي اليغييري إعادة كتابة «الجحيم» في القرن الحادي والعشرين؟ هل كان أبو العلاء سيروي عن مشاهدة ابن القارح لأناس، نعرفهم جيداً، في جهنم؟ أم هل كان دانتي سيقوم بإضافة بعض الأموات وأشباح الأحياء، ممن عرفناهم ونعرفهم، إلى الدائرة التاسعة من الجحيم؟ أم كان، ربما، سيضيف دائرة عاشرة تناسب بشاعة أفعال أوغاد زمننا هذا؟

ربما لا يمكننا أن نعرف من كان أبو العلاء أو دانتي سيضيفان كسكان دائمين في الجحيم، لكن خيال الشعوب وعبقريتهم لا تعجز أبداً. كان الشاعر البلشفي فلاديمير ماياكوفسكي، قد تخيل مرة اختراع آلة للتنقل في الزمن، لتساعد الناس على تسريع الخطابات الطويلة والمملة للقادة السياسيين (ف. ماياكوفسكي: الحمامات العمومية). فكرة ماياكوفسكي الظريفة عن آلة الزمن قد تساعدنا على تخيل كيف ستكون كتب التاريخ والأدب والشعر العربي، وكذلك الأمثال الشعبية والنعوت السائدة في المستقبل. وتساعدنا على تخيل من سيلحق بأبي رغال وابن العلقمي وشاور، ومن، ربما، سيرجم الناس قبره في المناسبات الوطنية، ومن سيكون اسمه دلالة انحطاط وشتيمة في كلّ مصر وفي كلّ سلطة. لكن بسبب الوضوح الفاقع في وضعنا العربي الراهن (حتى قبل تسريبات ويكيليكس)، ربما لا نحتاج حتى إلى آلة الزمن ولا إلى أفكار ماياكوفسكي الظريفة، فبعض هذه الكتب، ربما يكون في طور الإعداد والتوثيق، وهذه المرة ستكون الإدانة بالصوت والصورة والوثيقة (ربما لم ير «غسان الجد» وأمثاله في أسوأ كوابيسهم أنّ إدانتهم ستكون في أحد أكثر المؤتمرات الصحافية مشاهدة، وعلى العديد من محطات التلفزة، ولاحقاً على الإنترنت لمن فاته البث المباشر).

لكن يظل توبيخ من يخون شعبه وعقابه، عبر تحوّله إلى رمز لأقذر فعلة ممكنة، دليلاً، ليس على بشاعة الفعل أو على شكل ما من أشكال العدالة الأخرى التي لم يتحدث عنها أونغاريتي أو دانتي فقط، لكن على قدرة الشعوب على تجاوزهم وتجاوز تأثيرات فعلتهم بمرور الزمن، والاستمرار في الوقت ذاته في فضحهم وتوبيخهم. فحتى يهوذا، صاحب أصل كلمة الخيانة، لم يستطع أن ينجو بفعلته الشنيعة ويحقق مبتغى أسياده. فالشعوب أقوى وأبقى ممن يخونها، كما يقول الشيخ إمام في «دار الفلك»:

«يهوذا خان

أكم يهوذا وباع مسيح

لا يهوذا دام

ولا جرح بيلازم جريح».



* أستاذ علم الاجتماع والدراسات الدوليّة في جامعة ويسكونسن ــ بارك سايد

12/4/10

Kissinger - By the BBC

On Watching a documentary on Henry Kissinger - the winner of a nobel peace prize - there are many interesting facts that grab the attention in this man's ascent to power and manipulation of different people and events:

- Kambodia : "Secret" Bombings ... Khmer Rouge ... etc ... 3 million deaths

- East Timor : Being informed about what is happening .. genocide .. 100 thousand killed .. "We will not pressure you on this" and "You must act and finish it quickly and any involved of ours must be completely hidden. " [ From the transcripts of the meeting ]

- Vietnam issue : Ruining the 1968 peace talks by leaking the information .. huge death tolls .. same (almost) peace treaty achieved in 1973 ... Why ?? debatable.. they hinted that it was simply securing a place on the Nixon administration..

- Chile : Doing everything to stop allende (democratically elected.. leftist) from reaching presidency ... shipping weapons urgently in the transition period (machine guns etc..) .. hiring assassins .. Killing the commander in chief of the army Rene Schneider .. ended with military strikes by pinochet on the presidential palace and a 17 year dictatorial rule (who lead 'reforms' including privatization and roll-out of government agencies and spending, thus creating the Chilean miracle - albeit increasing inequality http://en.wikipedia.org/wiki/Augusto_Pinochet ) .. interesting also is the role that Pepsi (YES PEPSI) and ITT had to play in pushing towards this, knowing that Chile has huge copper reserves.

Christopher Hitchens' : "The trial of Henry Kissinger"
Seymour Hersh : "The Price of Power"

Some of his remarkable statements:

"The average person thinks that morality can be applied as directly to the conduct of states to each other as it can to human relations, that is not always the case because sometimes statesmen have to chose among evils."

"Intellectuals are cynical and cynics have never built a cathedral."

"I don't see why we need to stand by and watch a country go communist due to the irresponsibility of its own people."

8/11/10

By Ahlam Mostaghanmi - أحلام مستغانمي - بلاد المطربين أوطاني

بلاد المطربين.. أوطاني
بقلم أحلام مستغانمي

وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب خالد إلى النجوميّة العالميّة. أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد• كانت أغنية "دي دي واه" شاغلة الناس ليلاً ونهاراً. على موسيقاها تُقام الأعراس، وتُقدَّم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، وتذهب إلى مشاغلها صباحاً.

كنت قادمة لتوِّي من باريس، وفي حوزتي مخطوط "الجسد"، أربعمائة صفحة قضيت أربع سنوات في نحتها جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي إلى أمجادنا وأوجاعنا.لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ ويُجاملني أحدهم قائلاً: "آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!"، واجداً في هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، ويظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، ولا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ، قرابة بمواجعي. وفوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة "دي دي واه"؟ وعندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الاستعمار لا تفهم اللغة العربية!

وبعد أن أتعبني الجواب عن "فزّورة" (دي دي واه)، وقضيت زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء والغرباء وسائقي التاكسي، وعامل محطة البنزين المصري، ومصففة شعري عن جهلي وأُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتي الجزائرية، كي أرتاح.

لم يحزنّي أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.

ففي الخمسينات، كان الجزائري يُنسبُ إلى بلد الأمير عبد القادر، وفي الستينات إلى بلد أحمد بن بلّة وجميلة بو حيرد، وفي السبعينات إلى بلد هواري بومدين والمليون شهيد ... اليوم يُنسب العربي إلى مطربيه، وإلى الْمُغنِّي الذي يمثله في "ستار أكاديمي" ... وهكذا، حتى وقت قريب، كنت أتلقّى المدح كجزائرية من قِبَل الذين أحبُّوا الفتاة التي مثلت الجزائر في "ستار أكاديمي"، وأُواسَى نيابة عنها .... هذا عندما لا يخالني البعض مغربية، ويُبدي لي تعاطفه مع صوفيا.

وقبل حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان، كنت أتابع بقهر ذات مساء، تلك الرسائل الهابطة المحبطة التي تُبث على قنوات الغناء، عندما حضرني قول "ستالين" وهو ينادي، من خلال المذياع، الشعب الروسي للمقاومة، والنازيون على أبواب موسكو، صائحاً: "دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي". وقلت لنفسي مازحة، لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لَمَا وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب واستنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات ورسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي وإليسا ونانسي عجرم ومروى وروبي وأخواتهن .... فلا أرى أسماء غير هذه لشحذ الهمم ولمّ الحشود.

وليس واللّه في الأمر نكتة. فمنذ أربع سنوات خرج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين وعشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، ولم يجد الرجل أحداً في انتظاره من "الجماهير" التي ناضل من أجلها، ولا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربّع في جريدة، بينما اضطر مسئولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم "ستار أكاديمي" محمد عطيّة بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع مئات الشبّان والشابّات، الذين ظلُّوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت.

في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، وغَدَت تُنسب إلى الصبيان، قرأنا أنّ محمد خلاوي، الطالب السابق في "ستار أكاديمي"، ظلَّ لأسابيع لا يمشي إلاّ محاطاً بخمسة حراس لا يفارقونه أبداً .. ربما أخذ الولد مأخذ الجد لقب "الزعيم" الذي أطلقه زملاؤه عليه!

ولقد تعرّفت إلى الغالية المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد في رحلة بين الجزائر وفرنسا، وكانت تسافر على الدرجة الاقتصادية، مُحمَّلة بما تحمله أُمٌّ من مؤونة غذائية لابنها الوحيد، وشعرت بالخجل، لأن مثلها لا يسافر على الدرجة الأُولى، بينما يفاخر فرخ وُلد لتوّه على بلاتوهات "ستار أكاديمي"، بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه، لأنه رفع اسم بلده عالياً!

ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.. أواه.. ثمّ أواه.. مازال ثمَّة مَن يسألني عن معنى "دي دي واه"!

بقلم أحلام مستغانمي

6/27/10

Régis Debray : مـــــن الـعــــالــــم الـجـــــديــــد

رسالة رائعة وشجاعة من المفكر والكاتب الفرنسي الكبير(جزء من كتابه، نشرت في صحيفة السفير، موجهة لدبلوماسي إسرائيلي)



ريجيس دوبريه

(...) أن نلمح غيوماً سوداء في الأفق أمرٌ طبيعي. القنبلة النووية الإيرانيّة المحتملة لا ترضي أحداً، حتى ولو كانت بالنسبة لهم هناك قضيّة وطنيّة لا إسلاميّة، وقد بدأت بمبادرةٍ من الشاه. فلنتذكّر أنّه في تاريخ التوسّع النووي، لطالما كان الآخر هو «المجنون» (الاتحاد السوفياتي السابق، الهند، الصين...). وإنّ نظريّة الردع عبر توازن الرعب أو التدمير المتبادل المؤكّد، لم تجد بعد ما ينفيها، ولنأخذ مثالاً على ذلك الهند وباكستان. وبما أنّ لا أحد يرغب بالتأكّد من صحّة فوائد الطاقة النووية المتبادلة، فقد يدعو الأمر الى الحذر، لا الى إطلاق صفّارة إنذارٍ عالميّة. هل علينا أن نذكر المقاطعة الاقتصاديّة التي تقودها جامعة الدول العربيّة التي ولّى زمانها (قطر، المغرب، عمان)؟ أو نداءات المقاطعة الثقافيّة والاقتصاديّة التي يطلقها عالمٌ مصغّرٌ من الجمعيّات، التي لا تجد من يأخذ بها فتبقى من دون أيّ تأثيرٍ يذكر (باستثناء جنوب أفريقيا حيث يرفض عمّال المرافئ إدخال بضائعكم)؟ أو مزايدات قائدٍ إيراني معزول ومهاجم من أقرب الناس إليه؟ أو البلاغات الرسميّة لحركة دول عدم الانحياز، غير المرئية، التي تذهب مع الريح؟ أو 250 قراراً للجمعيّة العامة للأمم المتّحدة التي بقيت كلّها حبراً على ورق: جرس الإنذار ذاك الذي لم يعد يقوى على الرنين؟ لا أظنّ أن تلك المحاولات التي لا تتمّة لها ولا تأثير، تستطيع منطقياً أن تسرق من عيونكم النوم.
ما يمكنكم أن تخشوه بشكلٍ أدقّ هو تفكّك أو تبدّل دعم الولايات المتّحدة غير المشروط لكم، الذي تمليه مصالحها الاقتصاديّة، وكذلك انتقال مركز جاذبيّتها الديموغرافي والثقافي الى الشرق والجنوب (حيث انّ المهاجرين اللاتينيّين والآسيويّين، بالتوازي مع الأميركيّين السود يملكون توجّهاتٍ مختلفة عن توجّهات البروتستانتيّين الأنغلو ساكسونيّين البيض الذين يتمركزون في الساحل الشرقي). من البديهي أن لا تملك الولايات المتّحدة ـ إلا في حالاتٍ نادرة جداً واستثنائيّة ـ سياسةً خارجيّة لا تتوافق مع ضروراتها الداخليّة، وهي إجراءاتٌ تعتمدونها أيضاً. إنّها إحدى سلبيّات الديموقراطيّات الانتخابيّة الموقّتة، وإيجابيّات الدول المتحجّرة ذهنياً، حيث لا يستحقّ ظاهرها الخارجي البدائي بدرجاتٍ متفاوتة، أن يؤخذ بعين الاعتبار. وذلك مضاعفٌ عندكم بسبب سطوة العسكريّين، وهم رجالٌ لا ينظرون إلا الى المدى القصير بتعاطيهم مع سياساتٍ يفترض بها أن تنظر الى البعيد.
لكن في ما يتعلٌّق بالولايات المتّحدة، فإن تبعيتها للمعطيات الداخليّة يجب أن تطمئنكم. فإعادة التمركز الاستراتيجي لدولةٍ، يؤمن تسعة من كلّ عشرة أشخاص فيها بالله، تماماً مثلكم، تفترض أن تقوم برمي كلّ كتبها المقدّسة الى النار وأن تنكر مصيرها الجلي وأن تجرّم منذ الأزل مثلها الأعلى في الريادة وتمزّق كلّ كتبها المدرسيّة. وهذا أمرٌ مستبعد (فكيف تخافون؟).
تنظر كلّ المجتمعات اليهوديّة في العالم، ومن بينها الفرنسيّة أيضاً، بسلبيّةٍ قصوى الى باراك حسين أوباما، ذلك الخائن الذي يملك القوّة. لم أكن أتوقّع أن ينقاد مؤرّخ محنكٌ مثلك خلف ذلك السحر النجموي الخاص، بعالمٍ لم يعد يقرأ الكتب، بل يرى ويستمع بشكلٍ مستمر الى النجوم والمشاهير.
هل تظنّ فعلاً أنّ رجلاً ما، قد يغيّر حال العالم، ونظام القوى، وتاريخاً ثقيلاً جداً، ببعض الكلمات الواعدة؟
هل يتحمّل مسؤوليّة هذه الخرافات التي تبنيها بعض الشخصيّات، والتي يقتات منها عالم الصحافة، أو الشاشة الصغيرة التي يسودها مناخٌ بونابارتي، حيث إنّ الخلفيّة المباشرة تعطي سلطةً مطلقة لصاحب قراراتٍ نسبيّة، فاصلةً إيّاه عن كلّ إطاره وكلّ ما يكبّله ولا يظهر؟ أو انّ مسؤوليّتها تعود لإقامةٍ مطوّلة في بروكسل إلى جانب أوروبيّين مجانين فقدوا فكرهم المستقل.
أوروبا تكبر في إطارٍ سخيف، خاسرةً قواها، وهي تصبح مع الأيّام شديدة الحساسيّة والسذاجة. لها عينا «شيمين» لـ«رودريغها» القابع خلف الأطلسي، في حين لا يملك هو وقتاً يضيّعه وينظر إلى مكانٍ آخر. الى آسيا، الى المحيط الهادئ، الى الشرق الأقصى. هناك حيث تحدث الأمور الكبيرة. سليمانك المتردّد هذا سيخيّب ظنونك. ليس خطأه. هو قادرٌ ومتعاطف. أهدافٌ نبيلة، خطابٌ بارع، تحليلاتٌ جيّدة، انفتاحٌ على المحيط، قدرةٌ على التعاطف مع الآخرين.
قدرةٌ على الاستماع؟ نعم.
قدرةٌ على الفعل، لا.
في أيّ مشروعٍ سياسي، كما في أيّ لوحة، هناك ما يريده الفنّان، وما يستطيعه العصر. وذلك ليس فقط لأنّه يحتاج الى الكونغرس حتّى يمرّر إصلاحاته، ولا لأنه يملك سلاحاً مصلّتاً فوق رأسه اسمه «معاداة الساميّة»، يداه مكبّلتان من الآباء المؤسّسين للولايات المتّحدة. إنّه مصيرٌ مكتوب منذ اتّفاقية «المايفلاور».
لكن الذي أوصلك الى هذا الأمل المجنون لا يخلو من المنطقيّة. إسرائيل، كما تقول، لا يمكنها أن تنقذ نفسها بنفسها. كانت الصهيونيّة الحلّ الوطني للقضيّة اليهوديّة، ولكن ها انّ هذا الحلّ قد خلق أزمةً دوليّة راح نطاقها يتخطّاكم. الوضع المعقّد الذي أنتم فيه يفرض تدخّل «وسيطٍ نزيه» يثق به الطرفان، وقادر عند الضرورة أن يلوي ذراعيهما. لا يوجد إلا طرفٌ واحد على هذه المعمورة: «الدولة التي لا غنى عنها». «وحده، تدخّل الولايات المتحدة الحازم، قد يفرض على الطرفين المتحاربين تسويةً ضروريّة لبقائهما»: إعادة الأراضي المحتلة لأحدهما، والاعتراف بحقيقة وجود إسرائيل للآخر. وتضيف، أنّ ذلك يأتي في مصلحة الولايات المتّحدة.
أن يملك الغرب، بقدراته العسكريّة والماليّة والقانونيّة مفاتيح الحل أمرٌ بديهي. لكن من هو الغرب الفاعل؟ أميركا الشماليّة وأوروبا هما كيانان يهوديّان مسيحيّان، يقع عليهما واجب التدخّل، مجتمعين أو كلّ منهما على حدة. لكن أميركا المؤمنة، القادرة على إيجاد حل، لا ترغب به أساساً بسبب لاوعيها التاريخي الذي يحمل اسماً هو العهد القديم. وأوروبا التي لا تؤمن بالله، والتي قد ترغب بإيجاد الحل، لا تستطيع أن تخطو خطوة البحـث عنه، بسبب تأنيب الضمير التاريخي الذي تعيش فيه، والذي يحمل اسماً آخر: «نجمة داوود الصفراء».
لسوء الحظ، الأكثر استعداداً لهذه المهمّة الجوهريّة غير جديرين بالاحترام.
ربّما أنت تبالغ في تقدير قدرات من تعتبره منقذاً، حتى تقلّل الى هذا الحد من تقدير طبيعة «العلاقة المميزّة» التي تربطكم بالولايات المتحدة. هذا الرابط بينكما لا يحتاج الى اتفاقيات تحالفٍ شبيهة بحلف الناتو أو غيرها. هو ليس فقط رابطاً سياسياً أو آنياً ولد في العام 1967 من تخلّي فرنسا عن موقعها كحليف رئيسي ومموّنٍ للأسلحة. هو غير متعلّقٍ أيضاً بأداء لوبي فريد مثل الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأميركيّة الإسرائيليّة) التي تسمح لنصف الكونغرس الأميركي، أي 300 نائب بالالتقاء في اجتماعها السنوي في واشنطن ليستمعوا خلال بثٍ مباشر الى رئيس وزرائكم. تلك «الأيباك» التي توقّع الشيكات هي التي تنقل المعلومات الى مستفيديها، وتذهب إلى حدّ كتابة القوانين التي سيصوّتون لها. إنّ سلطة الكونغرس لا يستهان بها لكنّها ليست قاطعة. تحالفكما معاً مصيري لكما وتلقائي، يسري في دمكما ويعود الى زمن وصول المنشقّين عن الكنيسة الى «الكيب كود» في العام 1637. نيويورك، مدينة الولايات المتّحدة الأولى، وأكبر مدينةٍ يهوديّة في العالم هي لكم. نحن هنا في إطارٍ يتخطّى لعبة التأثير المتبادل أو تطابق المصالح، حتى ولو كان بإمكانها أن تتباين أحياناً، حيث انّ خبيرين أميركييّن في العلاقات الدوليّة قد ألّفا كتاباً موثّقاً، عن الحماقة التي ترتكبها الولايات المتحدة بمجازفتها بمصالحها العامة وعلاقتها بمليار مسلم لأجل 14 مليون شخص في العالم.
نعم، لكن الشاعريّة (أو علاقتنا الخياليّة بهذا العالم) لديها منطقها الذي لا ينطبق على السياسة. الأصوليون الانكليز، عبروا الأطلسي، كما عبرتم البحر الأحمر حتى يؤسّسوا القدس الجديدة. آلاف المدن الأميركية تحمل أسماء من الإنجيل. الأرماجدون، أو المعركة الأخيرة بين الخير والشر التي تستحوذ على من يؤمنون بعودة المسيح مصدرها إحدى قراكم، «ميجيدو». ليس هذا من التاريخ القديم. كلّ جيلٍ جديد يعيد ترداد النغمة ذاتها، وكلّ الطوائف البروتيستانتية الجديدة، تعيش دور القبيلة التائهة التي تعيد اكتشاف شرقها. القدس القديمة. تلك الحقيقيّة، تملك حقّ البكوريّة على خليفتها الثانية.
أنتم النموذج الأصلي وهم نسخةٌ عنكم. ربّما في يومٍ ما ستكونون، ما أستبعده، مجرّد محميّة سياسيّة عسكريّة على قدر ما سيكونون تابعين لكم روحياً. بماذا يتفوّق المحمي على الحامي؟ هو لا يملك سوى القوّة، بينما تملكون أنتم السلطة. كيف ننصّب حكماً، أخاً صغيراً يعطي لكلمات القبيلة المعاني نفسها التي تعطونها؟ ألستم، أنتم وهم، أولاد مستعمرين أوروبيّين؟ الحدود؟ هي بنظركم تحدٍّ يجب تخطّيه. (...) أميركا ليست سوى إسرائيلٍ كبيرة نجحت. إسرائيل، أميركا صغيرة تعاني، وللاثنتين نقطة تجمعهما: لا أحد يستطيع محاسبتهما، سوى الله.
إنّ «عمليّة السلام» قد انهارت. خمس عشرة سنة بعد اتّفاقيّة أوسلو، رضي فيها الطرف الفلسطيني بانتهاك شرعة الأمم المتّحدة التي تمنع تملّك أراضٍ سلبت بالقوّة، وذلك بهدف الحصول على دولةٍ بعد خمس سنوات. (على العكس من ذلك) شهدت احتلالاً أكثر، وحواجز أكثر، وسجناء أكثر، واستيطاناً أكثر ممّا كان قبل توقيع الاتفاقيّة. إنّ أحد أسباب هذا الإخفاق الكلّي والتام، من بين أسباب أخرى، هو غياب آليّةٍ فعليّة لمراقبة تنفيذ القرارات، قادرة على أن تعاقب الانتهاكات شيئاً فشيئاً وتجازي المنتهكين. أنت تقولها بحكمة: يحتاج المجتمع الدولي، ليقوم بذلك، لوسيطٍ حيادي بين الطرفين. وذلك الذي يلعب هذا الدور منحاز. الولايات المتّحدة تنظر الى العالم من خلال عيونكم. ليس تباعد المسافة ما عليكم أن تخشوه، بل الإفراط في المجاورة بينكم. الغرب لا يستطيع أن يعود عليكم بالفائدة لأنّه يفكر ويشعر في العمق مثلكم، مهما قال غير ذلك للملأ. في اليوم الذي سيصبح فيه هذا العالم (الذي يعود عليكم بالفائدة حتى الآن) غريـــباً عنكم وسيكفّ عن التواطؤ معكم، حينــها فقط سيتمكّن من خدمتكم.
توشك الولايات المتّحدة على القيام بخطوةٍ جماهيريّة وإحداث ضجّةٍ لن يكون لها تتمّة في الحقيقة. قد يملكون جرأة عابرة ويهدّدون بإغلاق حسابٍ مصرفي، لا أكثر. أن يُطلب منهم نشر قوّة دوليّة عسكريّة ومدنيّة تحت قيادة حلف الناتو على حدودكم، سيفترض عليهم استخدام أسلحتهم ضدّ إسرائيليّين، يعني تعريض كلّ أصحاب القرارات لموقفٍ حرجٍ جداً. قد تتشكّل هذه الوحدة العسكريّة من فيدجيّين، أو فنلنديّين أو غينيّين، لكنّ القرار سيعود الى المكتب البيضاوي، وأيّ رئيسٍ أميركي سيأخذ على عاتقه القيام بأيّ فعلٍ غير أخوي (ازاءكم) قد يعتبر جريمةً عائليّة.
على الخط الأزرق الذي يفصل مسافة 129 كلم لبنان عن إسرائيل، أنهك تخطّي بقرةٍ إسرائيليّة للحدود عدّة كتائب من قوّات حفظ السلام على مدى أسبوع. من كان ليتجرّأ على التصويب نحوها؟ على «اليونيفيل» أن تشاهد انتهاكات طيرانكم اليوميّة للمجال الجوّي اللّبناني ولقرارات مجلس الأمن، بالدم البارد نفسه الذي تتحلّى به لانتشال الألغام التي زرعتموها أيّام الاحتلال، والقنابل العنقوديّة التي استخدمتموها حديثاً. أيّ قائد عسكري فرنسي سيتجرّأ على إعطاء امرٍ بالهجوم على مركبة أو طائرة مقاتلة، أو بالأحرى على أيّ جندي مشاةٍ إسرائيلي؟ سوف يتمّ استدعاؤه في الدقيقة، وسيمتنع عن قراءة الصحف لما لا يقلّ عن ستّة أشهر.
لا بدّ من أنّك تتحلّى بشجاعةٍ كبيرة حتى تعبّر، على نقيض تصريحات سلطتكم القضائيّة، عن ترحيبك بالتدخّل الدولي. لا يدخل ذلك في إطار الخصائص الوراثيّة لهذه السلطويّة التي توقّعها لويس ماسينيون عام 1948 «أظنّ أنّ هذا البلد سيقاوم كلّ التدخّلات الدولية. منذ اللّحظة التي ظنّ فيها أنّه يمتلك الحق، لن نستطيع أن نقنعه بأيّ شيءٍ آخر». طبقتك السياسية لطالما اعتزّت بأن لا تنقاد للضغوطات، تريد أن تكون يداها ممتلئتين وحرّتين في آن. لا يحقّ للصديق الغربي إلا توفير الأسلحة والأموال والفيتو والمهاجرين.
(إسرائيل هي الملك بهيئة الطفل المدلل) ففي كلّ المنظّمات الدوليّة، يصبح الفيتو الأبوي تلقائياً. كلّ لجان التحقيق المتتالية لم تأتِ بنتيجة (وحدهم الأشخاص أو المؤسّسات المستقلّة يستطيعون التشكيك بأقوالكم). التقرير الأخير المؤلف من 550 صفحة حول «الاستخدام غير المتوازن للعنف في قطاع غزّة» والذي لا يستثني أحداً لن يكون له أيّ متابعة، خاصة ان اللجنة منبثقة عن لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة في جنيف، التي يسهل التشكيك فيها. كانت لجنة غولدستون برئاسة يهوديٍ من جنوب أفريقيا، متعاطف ومرتبط عائلياً بإسرائيل منذ البدء. طلبت هذه اللّجنة من الحكومة العبرية التعاون. فجاءها الرفض.
ما هو محايد يعتبر متحيّزاً، ما هو معادٍ يعتبر إجراميا، هذه هي عقيدة حكومتكم. لا شيء يكلّفها. شيكاتكم على بياض.
بما أنّكم تحصلون على ما تريدونه، لا تمنعون أنفسكم عن أيّ شيء: استخدام الأسلحة الجديدة والممنوعة، القذائف السهميّة، القذائف الحارقة، القنابل العنقوديّة، وكذلك انتهاك معظم بنود اتّفاقيات جنيف بكل اطمئنان، (بما في ذلك التنقيب عن الآثار ونفي مدنيّين من أرضٍ محتلّة). وهي اتّفاقيات ترفضون التصديق على بروتوكولاتها الإضافيّة التي تتيح مراقبة تطبيقها. إضافةً الى ضربكم بعرض الحائط محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وكذلك كل الرؤوس النووية التي تملكونها من دون الخضوع لتفتيش أو مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أمّا في ما يخص اتفاقيات فيينّا التي تشترط حصانة الحقائب الدبلوماسية وموظفيها، فهي تنطبق على كلّ الدول باستثنائكم. تستطيع دبلوماسية فرنسية أن تبقى محتجزة من دون طعام ولا شراب لمدة سبع عشرة ساعة عند معبر إيريز، وكذلك يمكن لقنصل فرنسي أن يحتجز في غرفة صغيرة لثلاث ساعات متتالية قرب بيت لحم. باريس التي كانت لتستدعي سفيرها من أيّ دولةٍ أخرى لمثل هذه الإجراءات، ستتغاضى عن الإهانة. تجاوزاتكم مستمرّة، وتغاضينا عنها متكرّر. يجب أن نكون أتراكا حتى نطالب باعتذارٍ ونحصل عليه. الفرنسيّون يديرون خدّهم الأيسر. إنّ أيّ سلطةٍ لا تعود ملزمة بتحمّل مسؤوليّة أفعالها تصبح غير مسؤولة، لا بل مصابة بجنون العظمة، فلنقل: متطرّفة. بعد تقريرٍ أعدّته لجنة تحقيقٍ كان يترأسها السيناتور الأميركي جورج ميتشل، صرّح أرييل شارون في العام 2001 «لا أحد يملك الحق ـ لا أحد! ـ في جرّ إسرائيل للمحاكمة أمام محكمة العالم». فليكن. لكن حينها، فلنتوقّف عن التحدّث عن دولٍ فاسدة. بين من يستشيط غضباً على الهامش ومن يعلو فوق كلّ القوانين، أيّ إله قد يحدث فرقاً؟
إذا ما كان التحامكم بالغرب يضمن لكم حصانةً ما، فإنّ الفجوة بينكم وبين الشرق تضمن لكم عدم الأمان. علاقتكم بالغرب، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار انحسار دعم الولايات المتّحدة، ليست من المسلّمات. أشكّ في أن الصين والبرازيل وروسيا والهند، التي سينافس انتاجها الداخلي إنتاج الولايات المتحدة وأوروبا في العام 2030، ستبقى تدعمكم بالاهتمام ذاته. أما علاقتكم بالشرق، فلن تكون موضع بحث.
إنما من دون شك، سندكم سيبقى قويّاً. اليهود خارج إسرائيل والولايات المتّحدة لا يزالون وسيبقون صامدين. إلاّ أنّ سندكم الحقيقي أمامكم، هو جيرانكم. كلّما توجّهت إسرائيل الى الغرب، كلّما أدار لها العالم الإسلامي ظهره. حلفاؤكم في المنطقة، أولئك الذين أبرمتم معهم اتفاقيات سلامٍ متحفّظة، مثل الأردن ومصر، يصعب عليهم أكثر وأكثر إخفاء مجتمعٍ يزداد عدائيّة تجاهكم. فلنصلِ لتبقى الديموقراطيّة في تلك الدول معطّلة، لأنّها إن وجدت، ستصعّب عليكم حياتكم. تركيا، حليفتكم الوحيدة عسكرياً وسياسياً في المنطقة، تبتعد عنكم بخطى سريعة، لأنّ مجتمعها له تأثيره، والانتخابات فيها غير «مدبّرة» مسبقاً. (...)